
نجم الدين دريسة
يمتد النفوذ المصري في السودان مثل ظل ثقيل لا يغيب، ظلٌّ واصل بين الماضي والحاضر، وممتد من زمن قوات دفاع السودان عام 1925م إلى اللحظة الراهنة، حيث ما تزال القاهرة تحرك خيوطًا دقيقة داخل الدولة السودانية، وتبسط تأثيرًا بالغ العمق على مؤسستها العسكرية ونخبها السياسية. ومنذ ذلك التاريخ، لم يكن الجيش السوداني مؤسسة مستقلة خالصة، بل وُلد مربوطًا بمركز القرار المصري، حتى صار هذا الارتباط جزءًا من بنيته، وركيزة من ركائز النفوذ الإقليمي لجارٍ يتعامل مع السودان بمنطق الامتداد الطبيعي لا بمنطق السيادة المتبادلة. وكما قيل يومًا: «التاريخ لا يكرر نفسه، بل يكرر من يصرون على الجهل به.»
لم يكن هذا الارتباط العسكري سوى مفتاح لبابٍ أوسع، إذ سارعت القاهرة لاحقًا إلى التعامل مع التيار الإسلاموي السوداني باعتباره أداة أخرى يمكن التحكم عبرها في مصير الدولة جنوب الوادي. ومع انفجار الصراع داخل الإسلاميين، لعبت المخابرات المصرية دورًا محوريًا في تشكيل انقسامهم واحتضان الجناح المرتبط مصالحًا ورؤية بالقاهرة، وهو الجناح الذي أصبح لاحقًا “المؤتمر الوطني”. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد المؤتمر الوطني مجرد حزب سياسي، بل صار أحد أذرع التأثير المصري داخل الخرطوم، وامتدادًا لعلاقة استخباراتية وثيقة رسختها القاهرة داخل بنية النظام السابق، حتى بات الجيش والمؤتمر وجهين لعملة واحدة، كلاهما يخدمان ذات المصالح. وليس أدل على ذلك من العلاقة المتينة التي جمعت جهاز المخابرات المصري، بأحد أبرز رجال أمن نظام الإنقاذ، صلاح قوش، الذي لم يكن غريبًا أن يجد حضنًا دافئًا في القاهرة فور سقوط نظامه.
وفي كل منعطف سياسي حاسم مرّ به السودان، برزت مصر لاعبًا رئيسيًا، لا تقف في صف التحول الديمقراطي، بل في صف القوى التي تعيق التغيير وتحافظ على شكل الدولة القديمة. فبعد كل زيارة إلى القاهرة، يصدر عن بعض القادة العسكريين في الخرطوم ما يناقض إرادة الشعب ومسار التحول المدني، بدءًا من مجزرة فضّ الاعتصام التي جاءت على خطى مشهد “رابعة العدوية”، مرورًا بانقلاب 25 أكتوبر، وصولًا إلى الحرب الأخيرة التي رأت فيها القاهرة فرصةً ذهبية لاستعادة سيطرتها على الجيش ومنع نشوء قوة عسكرية موازية كانت أكثر تقبلًا للمشروع المدني. وقد دعمت مصر حليفها التاريخي بكل ما يناسب ذلك الموقف، من التأطير الإعلامي الذي شيطن القوى المدنية، إلى الدعم اللوجستي للقادة المرتبطين بها، حتى غدت غرف الفلول في القاهرة مصانع تروّج لعودة الدولة الأمنية وتحارب كل فكرة يمكن أن تقود إلى حكم مدني مستقل.
ولأن مصر لا تزال تتعامل مع السودان بذهنية الأربعينيات، فهي تواصل الاعتماد على نخبة سياسية قديمة تآكل حضورها في الداخل، لكنها ما تزال وفية للدور الذي رسمته القاهرة لها: منع نشوء دولة سودانية مستقلة الإرادة. ومهما تبدل الزمن، تغيّرت الأجيال، وتحوّلت الخرطوم إلى ساحة وعيٍ سياسي جديد، ما تزال القاهرة تنظر إلى القوى المدنية باعتبارها تهديدًا، وإلى القوى القديمة — تلك التي حكمت مثلث حمدي وتستبطن مشروع الدولة الأحادية — باعتبارها الضامن الأمثل لمصالحها في النيل وفي الخرطوم. وكما يقال: «لا يمكن ليدٍ كانت تخنقك بالأمس أن تمنحك الهواء اليوم.»
إن النفوذ المصري اليوم لا يتمثل فقط في التأثير على المؤسسة العسكرية، بل في سيطرتها الممتدة على التيار الإسلاموي الذي أعيد تشكيله بطريقة تخدم مصالح القاهرة. وإذا كان السودان قد شهد ثورة عظيمة كسرت حاجز الخوف وأسقطت أحد أكثر الأنظمة استبدادًا في تاريخ المنطقة، فإن القاهرة ما تزال تراهن على أن القوى التي أُسقطت شعبيًا يمكن أن تُعاد سياسيًا، طالما ظل الجيش تحت هيمنتها التاريخية. ومن هنا يأتي قلق السودانيين المشروع: فكيف لدولة تبحث عن خلاص حقيقي أن تنجح بينما شريان القوة الصلبة فيها لا يزال خاضعًا لجارٍ يريدها ضعيفة ومنقسمة؟ وكيف لمجتمع يريد حكمًا مدنيًا أن يبلغ هدفه بينما خصومه يجدون الدعم والرعاية والاستضافة في القاهرة؟
ومهما حاول البعض تجميل دور مصر، تبقى الوقائع أكثر بلاغة من أي خطاب. فقاهرة ما بعد ثورة يناير لم تختلف كثيرًا عن قاهرة ما قبلها في نظرتها للسودان، كلاهما يرى في استقرار الدولة السودانية تهديدًا، وفي تحولها الديمقراطي خطرًا، وفي استقلال قرارها كارثة سياسية. تلك هي المعادلة التي تُبقي الخرطوم تحت سقف التأثير المصري، وتُبقي مصر وفية لنهجها القديم: التحكم في الجيش لضبط السياسة، والتحكم في الإسلاميين لضبط المجتمع، والتحكم في موارد السودان لضبط النيل.
ورغم هذا الواقع المتشابك، فإن السودان اليوم يقف على عتبة مرحلة جديدة، مرحلة يُرسم فيها المستقبل عبر صراع إرادات لا عبر صراع جيوش فقط. فإما أن ينتصر مشروع الدولة المدنية الحرة، وإما أن يعود السودان إلى مربع الوصاية القديمة، وهو مربع أثبتت التجارب أنه لا ينتج إلا هشاشة الدولة، وتمزق المجتمع، وانسداد الأفق. وكما قال حكيم آخر: «الحرية لا تُمنح… تُنتزع.»
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: ماذا تريد مصر من السودان؟ بل: ماذا يريد السودان لنفسه؟ وهل سيظل تابعًا لوصاية تدخل قرنها الثاني، أم أنه سيعيد صياغة علاقته بجيرانه على أساس الندية لا على أساس الإرث الاستعماري؟ إن الإجابة ليست في يد القاهرة، بل في يد السودانيين الذين آن لهم أن يقرروا شكل دولتهم دون وسيط ولا وصي، وأن يصنعوا مستقبلهم بعيدًا عن ظلال الهيمنة التي أثقلت الخرطوم طويلًا.
السودان يتغير، لكن مصر لم تتغير. وما لم تستوعب القاهرة هذه الحقيقة، فإن الزمن سيجبرها على استيعابها. أما السودان، فليس أمامه خيار سوى أن يختار بين البقاء في أسر الماضي، أو الانطلاق نحو مستقبل تصنعه إرادة شعبه وحدها.




