رأي

حين يتكلم العقل وتسكت البنادق: قراءة في وضوح الرؤية وسقوط خطاب الحرب

ابو عبد الله الراشدي

 

ابو عبد الله الراشدي 

إن أبغض الحروب تلك التي يعرف الجميع أنها عبثية… ويصرّ البعض على خوضها.

جاء حديث رئيس حزب الأمة القومي فضل برمة ناصر لقناة الجزيرة مباشر ليشكّل واحدًا من أكثر الطروحات السياسية اتزانًا وجرأة منذ اندلاع الحرب السودانية. لم يكن تصريحًا عابرًا، بل كان رؤية مكتملة المعالم، تضع إصبعها على الجرح بلا مواربة، وتشير بوضوح إلى أن ما يجري ليس سوى أسوأ حرب مرت على السودان في تاريخه الحديث، وأن الاستمرار في هذا النزيف لم يعد خيارًا يمكن الدفاع عنه.

منذ اللحظة الأولى، بدت كلمات برمة ناصر وكأنها تنطلق من عقلية تدرك خطورة اللحظة وعمق الجرح الوطني. حديثه عن استعداد حزب الأمة القومي لمد الأيادي بيضاء نحو السلام لم يكن محاولة لكسب نقاط سياسية، بل كان تعبيرًا صادقًا عن إدراك أن السودان يقف على حافة هاوية لا قرار لها. الحرب لم تعد معركة بين قوتين، بل معركة ضد بقاء الدولة نفسها. ومن هنا اكتسب صوته قوة ليس في نبرة الخطاب، بل في وضوح الهدف ودقة الرسالة.

وما يزيد هذا الطرح قوة أنه يأتي متناغمًا مع رؤية تحالف التأسيس، الذي قدّم خلال الفترة الماضية خطابًا متماسكًا يدعو لإيقاف الحرب فورًا، والعبور نحو مشروع وطني يعيد بناء الدولة على أساس السلام لا الغلبة. هذا التحالف أثبت أن امتلاك رؤية واضحة ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية في زمن الانهيار. فقد ظلّ طرحه ثابتًا: لا دولة مع الحرب، ولا مستقبل مع السلاح، ولا جدوى من الصراع الذي يُدار بعقلية الثأر وتصفية الحسابات.

في المقابل، يتبدى المشهد الآخر بكل فوضاه: خطاب الإسلاميين وقوى الردة، الذين يتعاملون مع الحرب باعتبارها فرصة للعودة إلى المسرح السياسي، ويرفعون شعارات العدائية والتحريض، ويرفضون أي حديث عن سلام. خطابهم مضطرب ومتقلب، يفتقد إلى الحد الأدنى من الرؤية، ويستعير لغة العسكرة و”بل بس” وكأن الحرب مغامرة مجانية وليست مأساة إنسانية ووطنية. هذا التناقض الحاد بين خطاب يدعو إلى المصالحة وخطاب يجرّ البلاد إلى مزيد من الخراب يكشف بوضوح أين يقف كل طرف، ومن يحمل مشروعًا ومن يملك مجرد رغبة في الصراع.

حديث فضل برمة ناصر عندما قال إن القائد الحصيف هو من لا يزج بقواته في معارك خاسرة يلخّص الفارق الجوهري بين عقلية تريد الخروج من الأزمة وعقلية تريد إدامتها. فالقائد الذي يعترف بحدود القوة ويقدم السلام على العناد هو قائد يقرأ الواقع كما هو، لا كما يتمنى أن يكون. أما الذين يصرون على مواصلة الحرب دون أفق فليسوا قادة، بل مغامرون يدفعون الثمن من دماء الناس وأرواحهم.

إن السودان اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. هناك من يريد دولة تستعاد على أساس العقل والرؤية والبناء، وهناك من يريد حربًا تُخاض بلا نهاية. هناك مشروع سلام يتسق ويتطور ويتقدم نحو الهدف، وهناك خطاب حرب يضطرب، ويتعثر، ويكشف كل يوم عجزه عن تقديم بديل سياسي أو أخلاقي.

وإذا كان المستقبل سيُكتب لهذا البلد، فهو سيُكتب بأقلام أولئك الذين امتلكوا الشجاعة الأخلاقية ليقولوا إن الحرب ليست قدَرًا، وإن السلام ليس ضعفًا، وإن الوطن لا يُبنى على البنادق بل على الرؤية. لقد تحدث فضل برمة ناصر بوضوح باسم هذا التيار العقلاني، وباسم كل من يؤمن أن السودان أكبر من نزاعات القوى التي تستثمر في الفوضى. واللحظة اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من الضجيج، بل إلى هذا النوع من الوعي الذي يعيد ترتيب الأولويات، ويصنع سلامًا يولد من الحكمة لا من فوهات البنادق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!