«في اللحظة التي توقف فيها الزمن: كيف أعاد فضل برمة ناصر تعريف الشجاعة الوطنية؟»
عبد الرحمن ابو رندة... بنسلفانيا

عبد الرحمن ابو رندة.. بنسلفانيا
في الحوار الذي جمع سعادة اللواء فضل برمة ناصر، رئيس حزب الأمة القومي، مع قناة الجزيرة، بدا وكأن البلاد استردّت صوتها المفقود وسط ضجيج الحرب. كان اللقاء لحظة استثنائية في زمن مرتبك، لحظة نطق فيها العقل بينما صمتت البنادق للحظة قصيرة كي تستمع. ومن يتابع كلام الرجل يدرك أن القادة الحقيقيين لا يحتاجون إلى ضوضاء كي يثبتوا حضورهم؛ فكلماتهم وحدها تكفي لتغيير اتجاه الريح. وفي تلك الجلسة، بدا وكأن فضل برمة ناصر أعاد تعريف القيادة، لا عبر القوة، بل عبر الوضوح والشجاعة الفكرية.
حديثه جاء محمّلًا بعمق التجربة وصدق الحكمة، وكأنه يذكّر السودانيين بأن التاريخ لا يلتفت إلا لمن يفهمون أن اللحظة الحرجة لا تحتاج إلى مزيد من الدم، بل إلى عقول تعرف أين تقف وأين يجب أن تقود شعبها. وقد أعاد الرجل للسودانيين حقيقة كانوا يخشون الاعتراف بها: أن الحرب لم تعد سوى عبءٍ على الزمن، وامتحان قاسٍ لإرادة الدولة، وأن المستقبل لا يُبنى على فوهات البنادق مهما بدا السلاح لامعًا وبراقًا.
الإعلامي أحمد طه، حين قال له ما معناه إنك “كشّحت الحلة”، لم يكن يجامله. فقد بدا فضل برمة وكأنه يفتح الغطاء عن تراكمات سنوات من الفهم والخبرة، ليكشف دون تردد ما أخفته الدعاية، وما عجزت الأطراف المتحاربة عن قوله. فمن يسمعه يدرك أن من لا يتعلم من الماضي سيجد نفسه في مواجهة مستقبل أكثر قسوة. وهنا، في هذا التذكير العميق، كان الرجل يربط الحاضر بذاكرة وطنية لا تزال تنبض.
لقد تحدث اللواء فضل برمة ناصر من موقع راسخ: موقع قائد حزب له جذور ضاربة في الأرض، وتاريخ نضالي عميق، وقاعدة جماهيرية لا تتنكّر لماضيها. حزب كان له شرف المشاركة في كتابة فجر السودان الأول، يوم قاد الأنصار وإمامهم المهدي حركة التحرر الوطني الكبرى، وهزموا أقوى إمبراطورية آنذاك، ودخلوا الخرطوم فاتحين في عام 1885م، وأقاموا دولة وطنية صمدت ثلاثة عشر عامًا رغم كل المؤامرات التي حيكت ضدها. لم يكن فضل برمة يحكي التاريخ للفخر، بل للتذكير بأن السودان لم يكن يومًا بلدًا يستسلم لوكلاء الخارج، ولا لأصحاب الأطماع الضيقة، وأن روح التحرر ما زالت قادرة على اليقظة من جديد.
وفي جوهر حديثه، بدا الرجل وكأنه يضع إصبعه على معادلة بسيطة لا يرغب كثيرون في قبولها: السلام شجاعة، والحرب هروب يتنكر في ثياب القوة. ولعل هذا ما جعل رؤيته لوقف الحرب تتسم بعمقٍ نادر، فهو لم يطرح مجرد موقف سياسي، بل قدّم تشخيصًا أخلاقيًا وفكريًا للأزمة، ونقلها من مستوى السلاح إلى مستوى الوعي. كان يتحدث كرجل خبر الميدان، وخبر السياسة، وخبر الناس، ويعرف أن السودان اليوم يحتاج إلى من يقرأ المشهد بعيون مفتوحة لا بآذان صاخبة.
وما يجعل حديثه أكثر أهمية هو أنه لم ينطلق من موقع المحايد، بل من موقع المسؤول الذي يتحمّل تبعات الكلمة. حين تحدث عن وقف الحرب، لم يقدم أمنيات، بل طرح مسارًا واقعيًا لإنقاذ ما تبقى من الدولة. كان يقول، دون أن يقولها حرفيًا، إن الزمن لا ينتظر المترددين، وإن البلاد بحاجة إلى قيادة تحسم الخيارات، لا إلى أصوات تحرّض على القتال حتى آخر نفس.
وفي المقابل، كان حديثه يعري ذلك الخطاب المتخبط الذي تتبناه القوى التي تتغذى على استمرار الحرب، تلك التي ترفع شعارات القوة بينما هي في حقيقتها تهرب من مواجهة المستقبل. فقد أشار بطريقة غير مباشرة إلى أن السودان اليوم يقف بين مشروعين: مشروع وطني أصيل يسعى لإعادة بناء الدولة، ومشروع آخر لا يجيد سوى تدوير الفوضى وتمديد الخراب. وما بين الاثنين، تبدو الكفة واضحة لمن يريد للسودان حياة جديدة.
لم يكن حديث اللواء فضل برمة ناصر مجرد تحليل سياسي أو انفعال وقتي، بل كان لحظة تاريخية نادرة، لحظة تُمتحن فيها قناعات الناس، وتُقاس فيها قيمة القيادة بميزان الوعي. هو ليس رجلًا يبحث عن تسجيل موقف، بل قائد يحمل مسؤولية وطن. وقد منح السودانيين، ولو للحظة قصيرة، إحساسًا بأن البلاد، مهما انحدرت، لا تزال قادرة على النهوض، وأن التاريخ، حين يعيد نفسه، يفعل ذلك ليذكّر الشعوب بأن المستقبل يُصنع بالعقول الصادقة لا بالمدافع.
ذلك اللقاء لم يكن مجرد حديث… بل كان استعادة لصوت الوطن حين يتكلم عبر أبنائه الصادقين.




