
عباس احمد السخي
في سياق لا يخلو من الدهشة والاستغراب، برزت أحاديث عن اعتزام السلطات تنصيب تمثال لرئيس سلطة بورتسودان الانقلابية الجنرال عبد الفتاح البرهان وهو يحتضن إحدى نازحات الفاشر، بوصفه “أيقونة لمسيرته المهنية”، في شارع النيل بأم درمان. خبر كهذا لا يمكن التعامل معه إلا بوصفه علامة إضافية على مدى الانحدار الذي بلغته آلة التلميع الرسمية، وعلى مدي ما وصل إليه المطبّلون من استعداد لابتلاع كل أشكال التزييف السياسي مقابل المكاسب والامتيازات، كما يعكس النزعة النرجسية والدكتاتورية التي لا حدود لها لدي الجنرال، وبحثه عن تمجيد الذات والشكر علي ما لم ينجز.
فأي مسيرة مهنية تلك التي تستحق الاحتفاء؟ وهل ثمة ما يدعو لنحت تمثال لرجل ارتبط اسمه — سياسيًا وعسكريًا — بأثقل فصول الانتهاكات في تاريخ السودان الحديث؟
من المؤسف أن يتم تغييب ذاكرة الناس بهذه الصورة، وأن يُقدَّم شخص مثل البرهان على أنه راعٍ للنازحين، بينما تشير الوقائع إلى دوره في بناء وتغذية آلة العنف التي أنتجت النزوح والدمار.
منذ سنوات دارفور الأولى، كان البرهان من الضباط الذين أشرفوا على إنشاء وتسليح ميليشيات الجنجويد بقيادة موسى هلال. تلك الميليشيات التي ارتبط اسمها بالسحل والحرق والاغتصاب وطمس القرى من الخريطة. ومع ذلك، تأتي الآن رمزية تمثال يحتضن “نازحة”، في مشهد لا يخلو من السخرية المريرة، وكأن الضحية مطالبة بأن تشكر جلادها على ما اقترفت يداه.
وبعد سقوط البشير، قدّم البرهان نفسه للمشهد كثائرٍ مع الثورة، بينما كانت أفعاله تتجه في الاتجاه المعاكس. فبصفته رئيسًا لمجلس السيادة الانتقالي، عمل على إفشال الحكومة المدنية بقيادة الدكتور عبد الله حمدوك عبر افتعال الأزمات المعيشية، وترك المجال للعصابات المتفلتة المدعومة من أجهزة الدولة العميقة، وتأجيج النزاعات القبلية، وحتى إغلاق ميناء بورتسودان لخنق الحكومة وإرباكها. ولما لم تفلح تلك الأدوات، نفّذ انقلاب 25 أكتوبر 2021 ليعيد البلاد إلى مسار الإخوان الذي لفظته الجماهير.
ثم جاءت الحرب التي دمّرت السودان ومزّقت نسيجه الاجتماعي وشرّدت الملايين. وبرغم فداحة المشهد، وقف البرهان سدًّا منيعًا أمام كل مبادرات وقف النزاع، متمسكًا بحسابات سياسية ضيقة تتعلق ببقائه في السلطة وخشية عودة البلاد إلى مسار مدني ديمقراطي يُنهي نفوذ الإخوان ويضعه في مواجهة المساءلة.
لا يمكن تجاهل صفات التصقت به خلال سنوات وجوده في الواجهة: التردّد، الخوف، والتصريحات المليئة بالتناقضات، حتى وُصف بأنه “يكذب كما يتنفس”. هذه ليست صفات رجل دولة، ولا سمات قائد شجاع يتحمّل مسؤولية الدم والدمار.
لهذا، فإن سؤال التمثال لا يتعلق بالفن أو الرمزية، بل بمحاولة إعادة كتابة التاريخ في لحظة لا يزال فيها الضحايا تحت الأنقاض، والنازحون في العراء، والبلاد في قلب كارثة إنسانية وسياسية غير مسبوقة.
فهل تُشيّد التماثيل لمن يتحمّل المسؤولية الأولى عن الانقلاب والحرب والانهيار؟ أم تُشيَّد منصّات العدالة التي تُعرض عليها الحقائق أمام الشعب والتاريخ؟
في النهاية، ليس غريبًا أن يسعى الطغاة إلى تخليد ذواتهم قبل أن يكتب التاريخ حكمه. لكن الأكثر غرابة هو أن يُطلب من الشعب أن يشارك في مسرحية تمجيد من كان سببًا في مأساته.




