رأي

كيف يستقيم الظل والعود أعوج؟ (114) مصير البرهان وكرتي المحتوم: من كاراكاس إلى الخرطوم… كيف تُدار نهايات السلطة في عصر العمليات الجراحية 

الصديق المريود..أريزونا – الولايات المتحدة الأمريكية

 

الصديق المريود..أريزونا – الولايات المتحدة الأمريكية

لم تعد السياسة في عالم اليوم تُحسم عبر البيانات، ولا تُدار بالتصريحات المرتبكة أو المناورات الطويلة. ما يُتداول من تسريبات إعلامية حول عملية وُصفت بـ«الحسم المطلق» لاستهداف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، يكشف منطقًا جديدًا لإدارة الصراع مع الأنظمة المأزومة: شلّ الدولة قبل أن تدرك أنها دخلت المعركة. سواء ثبتت كل التفاصيل أو بقيت في إطار الحرب النفسية، فإن الرسالة الاستراتيجية واضحة، ويجب أن تُقرأ بتمعّن في الخرطوم قبل غيرها

وفق ما نُشر، لم تكن العملية وليدة قرار طارئ، بل ثمرة إعداد طويل بدأ قبل شهور، حين استقرت خلية تابعة لـ وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية داخل العاصمة كاراكاس. أقامت الخلية على مقربة من القصر الرئاسي، وشرعت في مراقبة دقيقة لتحركات الحرس، ومسارات الدخول والخروج، والروتين اليومي للرئيس، وصولًا إلى بناء خريطة زمنية تفصيلية تحدد اللحظة الأخطر: الفاصل القصير بين تنبه الرئيس للهجوم وانتقاله إلى ما يُعرف بالغرفة الآمنة. هذا الجهد البشري كان مدعومًا بوسائل تقنية عالية، شملت صور أقمار صناعية تجسسية، واعتراضات إلكترونية، ومعلومات وفرتها شبكة من المتعاونين.

بالتوازي مع ذلك، جرى – بحسب الرواية – نقل مسرح العملية إلى الداخل الأمريكي، حيث تم تشييد مجسّم مطابق تمامًا للقصر الرئاسي الفنزويلي، بكل غرفه وممراته وتفاصيله الداخلية. هناك، خضعت وحدة اقتحام مشتركة من الـCIA و مكتب التحقيقات الفيدرالي لتدريبات مكثفة استمرت أشهرًا، لم يكن هدفها مجرد اقتحام مبنى، بل تنفيذ عملية محسوبة بالثواني، عنوانها الوصول إلى الرئيس قبل دخوله الغرفة الآمنة، وهي مساحة شديدة التحصين تقع – وفق التسريبات – في الأدوار السفلية، تضم غرفة نوم وقاعة اجتماعات ومكتبًا، ولا تُفتح إلا بشيفرة شخصية لا يعرفها سوى الرئيس، ومصممة لتحمّل القصف المباشر.

عند ساعة الصفر، التي قُدّر توقيتها بنحو الثانية فجرًا بتوقيت واشنطن، انتقلت الخطة إلى مرحلتها العسكرية الواسعة. شاركت في العملية، وفق ما نُشر، قرابة 150 طائرة أمريكية من طرازات F-35 وF-22 وB-1، ونُفذت ضربات على مواقع حساسة داخل العاصمة، شملت قواعد لا كارلوتا وفويرتي تيونا، إضافة إلى مطار هيغويروتي وقاعدة هوغو الجوية. غير أن جوهر العملية لم يكن في عدد الطائرات أو كثافة الضربات، بل في الأسلوب المستخدم لتعطيل الدفاعات الجوية.

اعتمدت الخطة على إطلاق آلاف الأهداف الوهمية دفعة واحدة في الجو، في تكتيك هدفه إغراق شاشات الرادار وإرباك أنظمة التحليل، خصوصًا في منظومات الدفاع الجوي الروسية الصنع، وعلى رأسها S-300، القادرة نظريًا على تأمين تغطية جوية تصل إلى نحو 250 ميلًا. غير أن الأهداف الوهمية أُطلقت – بحسب التسريبات – من مسافات أبعد، قاربت 500 ميل، ما جعل الرادارات ترصد سيلًا هائلًا من المجسمات غير المفهومة، دون القدرة على التمييز بين الحقيقي والزائف، فتعرّضت أنظمة تحليل البيانات لخلل حاد أدى إلى شلل فعلي في منظومة القرار الدفاعي.

بعد التأكد من تعطيل القدرة على التحليل والرصد، انتقلت الطائرات الأمريكية إلى المرحلة التالية، فأطلقت صواريخ حقيقية عالية الدقة من مسافات آمنة على مراكز القيادة والتوجيه في لا كارلوتا وفويرتي تيونا. هذه الضربات استهدفت شريان الاتصال العسكري، فقطعت التواصل بين القيادات والوحدات على الأرض، وأدخلت الجيش في حالة عجز شبه كامل: لا معلومات موثوقة من أنظمة الرصد، ولا قيادة قادرة على إصدار أوامر فعّالة.

مع تحقق هذا الشلل، فُتحت نافذة زمنية ضيقة لتنفيذ المرحلة الأخطر. تشير الروايات إلى أن مروحيتين خاصتين نقلتا وحدة الاقتحام إلى داخل القصر الرئاسي، حيث جرى تعطيل الاتصالات الإلكترونية منذ الدقائق الأولى، وبدأ اقتحام جناح الرئيس في سباق مباشر مع الزمن، قبل أن يتمكن من الوصول إلى الغرفة الآمنة. الهدف كان واضحًا: السيطرة السريعة، واعتقال الرئيس وزوجته، ثم الانسحاب قبل أن تستعيد المنظومة الأمنية توازنها.

غير أن بعض التسريبات الإعلامية الأمريكية تؤكد أن العملية لم تسر بسلاسة كاملة؛ إذ اكتشف حرس القصر عملية الاقتحام، واندلع اشتباك أثناء مغادرة القوة المهاجمة، ما أدى إلى إصابة إحدى المروحيات بعطل جزئي، ووقوع إصابات في صفوف أفراد الوحدة. هذه التفاصيل، سواء كانت دقيقة بالكامل أو جرى تضخيمها في سياق الحرب النفسية، تشير إلى أن العملية – إن صحّت – كانت تقف على حافة النجاح والفشل في آن واحد.

الدلالة الأعمق لكل ما سبق لا تتعلق بفنزويلا وحدها، بل بطبيعة النظام الدولي الراهن. فالأنظمة التي تفقد شرعيتها، وتُدار الدولة فيها بمنطق الطوارئ الدائمة، وتُغلق أفق الانتقال السياسي، تتحول تلقائيًا إلى أهداف قابلة للضغط بأدوات غير تقليدية. من هذا المنظور، يصبح إسقاط الدرس على السودان أمرًا مشروعًا. فـ عبد الفتاح البرهان يقود سلطة بلا تفويض شعبي حقيقي، ويعتمد على معادلات أمنية هشة، فيما يمثل علي كرتي نموذج التنظيم الذي يعيش خارج زمنه، متكئًا على شبكات ظل وخطاب تعبوي لم يعد يوفر حماية بقدر ما يضاعف المخاطر. تحالف الضرورة بينهما لا يصنع دولة، بل يؤجل الانهيار ويزيد كلفته.

الخلاصة أن الرسالة واحدة، مهما اختلفت الجغرافيا: من يحكم بلا شرعية، ويظن أن الرتبة أو التنظيم أو القصر المحصّن كفيلة بحمايته، يضع نفسه في مرمى أدوات لا تُرى ولا تُسمع إلا بعد فوات الأوان. في زمن الحسم الجراحي، لا نجاة بلا عقد اجتماعي حي، ولا حماية بلا انتقال حقيقي. التاريخ لا ينتظر المترددين، والعالم، كما يبدو، لم يعد يمنح فرصًا إضافية لمن يصرّ على البقاء خارج الزمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!