رأي

البرهان… حين يسقط آخر الأقنعة 

السفير إبراهيم مصطفي

 

 السفير عادل إبراهيم مصطفي

في لقائه الأخير بقيادات الجيش، لم يعد الجنرال عبد الفتاح البرهان بحاجة إلى الأقنعة التي ظل يرتديها منذ اندلاع الحرب. خرج — أخيرًا — بوجهه الحقيقي: وجه الضابط الكوز الذي لا يتورع عن ليّ الوقائع وتزييف الحقائق، في خطابٍ مفعم بالإنكار والغرض إلى درجة تُدهش حتى الدهشة نفسها.

قال البرهان، برباطة جأش تحسدها عليه مخيلة الكيزان، إن «سردية سيطرة الإخوان على الجيش فزاعة إماراتية تُستخدم للتأثير على واشنطن والرياض والقاهرة»، وإن الحديث عن تمدد الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية «كذب بواح».

أيُّ كذب هذا؟ وأيُّ جرأة على المكابرة لا يستوعبها عقل؟

فرعاة الماعز في الفلوات — ناهيك عن أهل السياسة — يعرفون أن سيطرة الإخوان المسلمين على الجيش بدأت منذ انقلابهم المشؤوم في 1989، حين أُغلق باب الكلية الحربية أمام أبناء السودان وفتح على مصراعيه لأبناء الحركة الإسلامية عبر واجهات مثل الهيئة الخيرية لدعم القوات المسلحة وهيئة النشاط الطلابي. والبرهان، أحد منتوجات هذا التمكين، يعلم قبل غيره حجم تحكّم الإخوان في قراراته ومساره.

ولذلك، كلما وافق على مبادرة لوقف الحرب، تراجع عنها بمجرد أن تصدر “تعليماتهم” وأوامرهم من خلف الستار. حدث هذا مع كل المبادرات منذ مسار إيقاد، مرورًا باتفاق المنامة، وحتى مبادرة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان — التي كان البرهان أول المرحّبين بها — قبل أن ينقلب عليها لحظة وصول التعليمات من دوائر الحركة الإسلامية.

لم يكتفِ بذلك. ففي خطابه أمام قيادات الجيش قال: «الرباعية غير مبرئة للذمة إذا كانت الإمارات ضمنها».

لكن السؤال البديهي الذي ينسف منطقه من أساسه:

هل تكوّنت الرباعية بعد لقاء ولي العهد السعودي بالرئيس الأمريكي؟

وإذا كان وجود الإمارات مُزعجًا له، فلماذا لم يرفض الرباعية منذ لحظة تكوينها؟ ولماذا صمت — صمت الرضا — حتى خرجت بمبادرتها التي رأت فيها طريقًا للحل في السودان؟

الحقيقة اليوم باتت جلية:

البرهان ظهر صراحة بوصفه الممثل السياسي للكيزان داخل الجيش، وخطابه الأخير لم يترك موضعًا للالتباس. إنه يقف في صفّ لا يريد وقف الحرب ولا استقرار البلاد، بل يسعى — كما تقول أدبيات الحركة الإسلامية — إلى تطبيق وصيتها الخالدة: «يا نحكمكم يا نقتلكم»، وصدى صرخة كباشي الشهيرة: «سودان بفهمنا أو لا سودان».

بهذا المسار، يمضي البرهان في تمزيق ما تبقّى من الوطن، لا دفاعًا عن الدولة، بل تنفيذًا للأجندة التي أعادت الإسلاميين إلى السلطة من النافذة بعد أن أطاح بهم الشعب من الباب.

ومهما تمادى البرهان ومن يقف خلفه في تمزيق ما تبقّى من الوطن، فإن الحقيقة التي لا يملك إمساكها أو طمسها هي أن إرادة الشعب السوداني هي الغالبة. فهذا الشعب الذي صنع ثوراته من رحم الألم، وواجه الدكتاتوريات بصدورٍ عارية، لن يتراجع عن أهدافه مهما طال أمد المحنة.

وبإصراره وعزيمته، وبرعاية الله ولطفه وعنايته، سيمضي السودانيون إلى حيث أرادوا منذ ديسمبر المجيد: دولة مدنية كاملة الدسم، دولة الحرية والعدالة والمساواة. وربما يطول السفر، وربما تشتد العتمة، لكن وجهة الطريق واحدة، وراية الشعب أعلى من كل سلاح، وأقوى من كل بطش، وأبقى من كل انقلاب.

وإن طال السفر… فالسودان عائدٌ إلى أهله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!