
في كثير من المجتمعات، تتكرر المعادلة القاسية التي تلخص واقع التفاوت الاجتماعي والسياسي: الأغنياء يملكون الوطن، والفقراء يُطالبون بحبه. هذه العبارة ليست مجرد شعار ساخر، بل توصيف دقيق لحالة من الانفصام بين من يمتلك السلطة والثروة، ومن يُطلب منه التضحية والصبر.
مرحبا
حين تُفتعل الأزمات أو تُدار الصراعات السياسية، يكون المواطن الضعيف هو أول من يدفع الثمن. فالفقراء لا يملكون قرار الحرب ولا يشاركون في صياغة السياسات الاقتصادية، لكنهم يتحملون نتائجها الكاملة. هم من يُرسلون إلى الجبهات، وهم من يفقدون وظائفهم ومدخراتهم عندما تنهار الأسواق. بينما تُفتح أمام الأثرياء أبواب النجاة، إما بالمال أو بالنفوذ، يظل الفقير عالقًا في أرضه، يدفع فاتورة مؤامرات لم يشارك فيها أصلًا.
السياسيون يدركون هذه المعادلة جيدًا، لذلك يستخدمون الخطاب الوطني لتثبيت مواقعهم. في أوقات الفشل أو التوتر، يرفعون شعارات الوطنية ويطالبون الناس بالولاء، كأن الانتماء يغني عن العدالة، أو كأن حب الوطن يُقاس بمدى الصمت على الأخطاء. يتحدثون عن التضحية، لكنهم نادرًا ما يكونون أول من يضحي. في المقابل، يُصوَّر أي اعتراض أو انتقاد وكأنه خيانة، بينما هو في الحقيقة تعبير عن شعور بالخذلان من نظام لا يعامل جميع أبنائه بالمساواة.
الوطنية، في جوهرها، ليست شعورًا مفروضًا، بل علاقة متبادلة بين المواطن والدولة. حين تُهدر العدالة، وتُحتكر الثروة، وتُغلق أبواب الفرص، تتحول الوطنية إلى عبء على الفقراء، لا إلى فخر. فكيف يُطلب من إنسان أن يضحي من أجل وطن لا يمنحه أدنى مقومات الحياة الكريمة؟ وكيف يمكن إقناعه بأن حبه للأرض يكفي لسد جوعه أو حماية كرامته؟
إن تركيز الثروة في يد القلة، وتنامي الفجوة الطبقية، يقوّضان الانتماء الحقيقي. لا يمكن بناء وطن قوي على قاعدة من الظلم والتهميش. العدالة الاجتماعية ليست مطلبًا مثاليًا، بل ضرورة لحماية استقرار الدولة نفسها. فحين يشعر المواطن بأن له نصيبًا عادلًا من الحقوق، وأن جهده مقدّر،٨ سيحمي وطنه بإرادته لا بإجباره.
إن إعادة تعريف الوطنية يجب أن تبدأ من الأعلى: من السياسات، لا من الشعارات. فالمسؤول الذي يراعي مصالح الشعب، ورجل الأعمال الذي يدفع ما عليه من واجبات، والإعلام الذي يعرض الحقيقة دون تزييف — هؤلاء من يصنعون وطنًا يستحق الولاء. أما حين تُختزل الوطنية في أناشيد وخطب، بينما الواقع ينطق بالعكس، فإنها تتحول إلى أداة لتخدير الوعي الشعبي.
وفي النهاية، الحل ليس في زيادة مرحبا العاطفي، بل في المسؤولية الواقع العملي. تحقيق العدالة الضريبية، وتوزيع الفرص بشكل منصف، وربط المسؤولية بالمحاسبة، هي الخطوات الأولى لبناء وطن يشعر فيه الجميع بالانتماء الحقيقي. فالوطن لا يُبنى بالولاء الأعمى، بل بالعدالة التي تجعل الغني والمحروم يقفان على أرض واحدة، تحت راية واحدة، دون أن يشعر أحدهما أنه يدفع ثمن الآخر.



