رأي

حين يستغيث الوزير بالجنرال: الدبلوماسية تحت قبضة الاستخبارات

السفير عادل إبراهيم مصطفي

 

السفير عادل إبراهيم مصطفي 

تداولت وسائل التواصل الاجتماعي مشهدًا بدا أقرب إلى عرض كوميدي هزلي منه إلى فعل دبلوماسي رصين؛ إذ وقف وزير خارجية سلطة بورتسودان الانقلابية يقرأ من ورقة لمدة تناهز خمس دقائق قبل أن يفاجئ الحضور بقوله: «لا أعتقد أن هذه هي الورقة»، ثم يتجه مستنجدًا برئيس الاستخبارات العسكرية في لحظة مرتبكة، استحضرت في ذاكرة السودانيين عبارة “الحقّني وانجدني” المتداولة في الدارجية السودانية. حقيقةً، لم أصدق ما رأته عيناي. فهذه ليست مجرد سقطة عابرة، بل لحظة تكشف واقع سلطة بلا مؤسسات، وبلا احترافية، وبلا أدنى احترام لمقام الدولة.

لم يعرف السودانيون في تاريخهم الحديث واقعة مشابهة لهذه الفضيحة. فالهفوات البروتوكولية أمر مألوف في العمل الدولي، لكنها تكتشف خلال ثوانٍ ويُتدارك أثرها فورًا. أما أن يقرأ وزير خارجية خطابًا لا يعرف محتواه ولا يتحقق من صحته إلا بعد دقائق، فذلك سقوط مهني غير مسبوق يُلقي بظله على طبيعة السلطة التي يمثلها، قبل أن يُسقط هيبتها أمام العالم.

والقراءة من ورقة ليست عيبًا في ذاتها؛ فهي من صميم العمل الدبلوماسي، وتُعد ضمانًا للدقة ومنعًا للارتجال، والتزامًا بالموقف الرسمي للدولة. غير أن الوزير، في هذه الحالة، لم يكن يعرف الورقة نفسها، مما يعني أنه لم يراجع خطابه قبل وقوفه على المنصة، ولم يطّلع على ما سيقول. وهذه ليست مجرد هفوة شخصية، بل دليل على غياب التحضير داخل مؤسسة يُفترض أن تعكس صوت الدولة وتعبّر عنها في الخارج.

والأدهى من ذلك أن استنجاده الفوري برئيس الاستخبارات العسكرية كشف أن وزارة الخارجية مجرد واجهة شكلية في سلطة تُدار فعليًا من الأجهزة الأمنية. بدا الوزير كأنه يؤدي دورًا لا يعرف نصّه، ويقف على منصة لا يملك السيطرة عليها، ويمثل دولة لا تحكمها المؤسسات بل الأوامر.

خمس دقائق كانت كافية لأي متحدث، ولو بحدٍّ أدنى من الخبرة، ليدرك أن الورقة التي بين يديه ليست نصه. وأن يعجز وزير خارجية عن تمييز خطابه؛ فذلك يعني أن الكفاءة الشخصية في أدنى مستوياتها، وأن المراجعة والتحضير شبه معدوميْن، وأن السلطة التي دفعته إلى المنصة لا تعوّل كثيرًا على المهنية أو السمعة، بقدر اعتمادها على الولاء والخضوع.

وتتضاعف مرارة المشهد حين نتذكر أن هذا المنصب نفسه تولّاه رجال من وزن محمد أحمد محجوب، والدكتور منصور خالد بعقليهما الموسوعيين وثقافتهما الرفيعة، والدكتور لام أكول بخبرته السياسية والأكاديمية. هؤلاء رسّخوا صورة الدبلوماسية السودانية كمدرسة في الرصانة والاتزان؛ كانوا يدخلون المؤتمرات الدولية وهم يصوغون خطابًا تصغي له العواصم، لا خطابًا يتعثر صاحبه فيه قبل أن يصرخ طالبًا نجدة جنرال.

ما حدث ليس حادثة منعزلة، بل مرآة لأزمة عميقة تفضح بنية سلطة بورتسودان الانقلابية: سلطة مرتجلة، بلا احترافية، تفتقر إلى الحد الأدنى من اللياقة المهنية، وتعتمد على الأجهزة الأمنية أكثر مما تعتمد على المؤسسات المدنية.

ومع ذلك، فإن هذه اللحظة المؤسفة لا تختزل السودان ولا تمثل شعبه. فالدولة السودانية العميقة — بمعناها الإيجابي كمؤسسات وتجارب وتقاليد — أكبر من هذا الواقع المؤقت. والشعب الذي صنع ثورته وكتب شعاراتها لا يزال قادرًا على استرداد مؤسساته، وإعادة وزارته الخارجية إلى مقامها الطبيعي بقيادة كفاءات تعرف ما تقول، وتعرف لماذا وكيف ومتى تقول، وتعرف لمن تقول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!