
نجم الدين دريسة
في زمنٍ يتسارع فيه انحدار الخطاب العام نحو مربعات الكراهية، ويعلو فيه ضجيج الاصطفافات القبلية والسياسية حتى يكاد يطغى على صوت العقل، يبرز لقاء السلطان أحمد علي دينار في البودكاست الأخير كواحد من أهم وأعمق الحوارات التي تناولت جذور الأزمة الاجتماعية في السودان. ليس لأنه مجرد لقاء إعلامي، بل لأنه حديث من رجل يحمل إرث سلطنة عريقة جمعت قبل أن تفرّق، ووعت قبل أن تُضلَّل، وبنت قبل أن تهدمها صراعات اليوم. وهنا يحضر في الذهن القول المأثور: “لا تبنى الأوطان بالأصوات العالية، بل بالعقول الهادئة.”
لقد كان ظهور السلطان أحمد علي دينار في حواره مع الدكتور كمال حول العنصرية وخطاب الكراهية بمثابة إعادة تعريف حقيقية لما يجب أن يكون عليه الخطاب الوطني: خطاب مسؤول، متوازن، لا يتغذى على الانفعالات، ولا يركب موجة اللحظة، ولا يشعل الفتن بغير حساب. ولعل أبلغ ما يمكن أن يقال في هذا السياق هو المثل: “الكلمة كالشرارة؛ إن لم تُطفأ في مهدها، أحرقت القرية بأكملها.”
يشير السلطان إلى أنّ خطاب الكراهية لم يهبط فجأة، بل هو نتيجة تراكمات سياسية واجتماعية، وإخفاقات متراكمة في إدارة التنوع. الإنسان لا يولد كارهاً، لكنه يتعلم الكراهية حين يصبح الخطاب المسموم هو اللغة السائدة. وقد كان السلطان واضحاً في التحذير من تحوّل هذا الخطاب إلى ثقافة، ثم إلى سلوك عام يهدد السلم الأهلي. وهنا تستقيم الحكمة التي تقول: “حين تُغلق أبواب الحوار، تُفتح أبواب الفتنة.”
وتناول السلطان بعمق الدور الخطير للحرب في تغذية خطاب الكراهية، إذ لم تعد الحرب مجرد معركة على الأرض، بل أصبحت معركة على الوعي والانتماء. فقد ساهمت في تعميق الانقسامات، وتوسيع الشروخ بين المجتمعات السودانية، حتى صار التشظي جزءاً من الحياة اليومية. وقد شدّد السلطان على أن السودان لن يتماسك إلا إذا استعاد وعيه بقيمة التنوع. وهنا تكتسب الحكمة التالية مغزاها: “من لا يرى في تنوع الناس نعمة، سيجده مع الأيام نقمة.”
ولم يكتفِ السلطان بالتشخيص، بل مضى إلى تحليل دور الإعلام والنخب في تأجيج الصراع أو إطفائه. فالكلمة التي تُقال مسؤولية، والخطاب الذي يصدر من منصات كبيرة قد يصبح سلاحاً يفوق أثر البارود. وهذا يفتح الباب للحكمة الخامسة التي تنسجم مع رؤية السلطان: “سلام القلوب مقدمة لسلام الأرض.”
إنّ قوة حديث السلطان أحمد علي دينار لا تنبع فقط من موقعه الرمزي، بل من صفاء رؤيته وقدرته على قراءة الواقع السوداني بمعايير تتجاوز اللحظة. فهو لا يخوض في الاصطفافات، ولا يسمح للانفعالات أن تُضلل بوصلة القول، بل يقدّم خطاباً رشيداً يحتاجه السودان اليوم أكثر من أي وقت مضى. فهو ابن سلطنة تاريخية أدارت التنوع فازدهرت، واحتضنت الأطياف فتماسكت، ولذلك يجيء صوته اليوم امتداداً لحكمة تاريخية أكثر منه رأياً آنياً.
إن ما قاله السلطان في هذا اللقاء يستحق أن يُرفع إلى مستوى المبادرات المجتمعية، وأن يُترجم إلى برامج ثقافية وتربوية تعيد للسودان روحه الجامعة، وتوقف انحداره نحو هاوية التشظي. فمثل هذه الحوارات ليست ترفاً، بل ضرورة وطنية في زمن اختلط فيه صوت الحكمة بالضوضاء. والسودان اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يستجيب لصوت العقل، أو يستسلم لخطاب الكراهية الذي لا يورث إلا الخراب.
إن لقاء السلطان أحمد علي دينار لم يكن مجرد مادة إعلامية، بل كان نافذة واسعة للوعي، تذكّر السودانيين بأن ما يجمعهم أكبر مما يفرقهم، وأن المستقبل لا يُبنى بالكراهية ولا بالتحريض، بل بالاحترام المتبادل وبوعيٍ يدرك حقيقة هذا الوطن. وفي ذلك تتمثل روح الحكمة التي أراد السلطان إيصالها: أن وحدة السودان تبدأ من وحدة القلب قبل وحدة الموقف.




