
خضر كوة
يشهد السودان واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخه، حيث تتكشف بوضوح الآثار الكارثية لاستخدام العنف المفرط وانتهاك حقوق المدنيين في حرب أحرقت الأخضر واليابس، ودفعت بالملايين إلى دروب الفقر والنزوح وفقدان الأمان. فالاتهامات المتعلقة باستخدام أسلحة محرمة دوليًا، إن صحت، تمثل جريمة مروعة ضد شعب لا يزال يدفع ثمنًا باهظًا في سبيل تطلعه للحرية والسلام والعدالة.
لقد كان شباب الثورة السودانية رمزًا للشجاعة والانتصار المدني حين أسقطوا واحدة من أطول الديكتاتوريات في المنطقة، ودفعوا بصدورهم العارية من أجل وطن يحكمه القانون لا الأيديولوجيا. واليوم، بينما تتجدد موجات العنف، يبدو واضحًا أن بعض الأطراف تسعى للانتقام من هذا الشعب الذي اختار طريق التغيير، محاولةً إعادة عقارب الساعة إلى الوراء عبر ممارسات لا تمت للوطنية ولا للقيم الإنسانية بصلة.
لقد تراكمت عبر العقود آثار عسكرة الدولة، وتسييس الجيش، وتمكين مجموعات فكرية بعينها من مؤسسات القوة، مما حوّل بعض الأجهزة إلى أدوات صراع سياسي بدل أن تكون مؤسسات لحماية الشعب. ونتيجة لذلك، أصبح المدنيون هم الضحية الأولى والأخيرة في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
وفي خضم هذا الظلام، تبرز دولة تأسيس كحلمٍ يعيد للسودانيين ثقتهم في إمكانية قيام سلطة تحفظ الأمن وتحترم القانون وتلتزم بمبدأ الدفاع عن النفس فقط. فمشروع التأسيس لا يمثل طرفًا جديدًا في الصراع، بل يمثل طموحًا شعبيا إلى دولة عادلة، منفتحة، تحترم حقوق الإنسان وتعيد بناء المؤسسات على أسس مهنية بعيدة عن التسييس والتلاعب.
إن السودان اليوم بحاجة ماسة إلى موقف دولي حازم يضمن حماية المدنيين، ويحقق المساءلة عن الجرائم والانتهاكات، ويدعم القوى الوطنية الساعية للسلام الحقيقي. فالصمت أمام ما يحدث ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في معاناة شعب ينزف.
لقد آن الأوان لأن يقف العالم في صف السودانيين، وأن تتكاتف القوى الوطنية من أجل إنهاء دورة العنف، وفتح الطريق أمام بناء دولة تليق بتضحيات أبنائها.




