
سهيبة مريش.. نيالا
يشهد السودان مرحلة مفصلية في تاريخه الحديث، بينما يحاول النهوض من أزماته المتراكمة والانطلاق نحو فضاء التحول الديمقراطي المدني الذي ظل حلمًا يتجدّد في وجدان كل حادبٍ على مصلحة الوطن. وفي خضم هذه التحديات المتشابكة، تبرز قضية احتضان الكوادر الوطنية كإحدى أهم الأولويات التي لا غنى عنها لأي مشروع وطني يسعى إلى البناء الحقيقي ووضع البلاد على مسار التنمية المستدامة.
فالسودان، منذ القدم، عُرف بأنه بلدٌ زاخر بالعقول المبدعة والكفاءات اللامعة في مختلف المجالات العلمية والفنية والمهنية. وقد قدّم أبناؤه إضافات نوعية لعدد من دول العالم، وأسهموا في نهضتها وتطورها بجدارة. إلا أن السياسات المخيبة للحكومات السابقة—من محاصصات وجهوية وممارسات إقصائية ومحاباة—ساهمت في تجفيف منابع الكفاءات داخل البلاد، ودَفعت أعدادًا كبيرة من الشباب والخبراء إلى الهجرة، بحثًا عن بيئة تقدّر جهودهم وتحتفي بعطائهم.
ومع التحولات الكبيرة التي يشهدها السودان اليوم، ومع التضحيات الغالية التي قدّمها شبابه من أجل فجر جديد، يصبح لزامًا على حكومة التأسيس أن تتعامل مع ملف الكوادر بعقل منفتح ورؤية موضوعية تدرك أن النهضة لا يمكن أن تتحقق من دون الاستفادة الحقيقية من الطاقات المحلية المتخصصة.
فالكوادر الفنية والعلمية هي العصب الحيوي لأي عملية تنموية. ومن دونها، لن يكون بمقدور السودان اللحاق بركب الأمم المتقدمة، رغم ما يملكه من موارد بشرية فريدة ومؤهلة. إن بناء القدرات المحلية وتمكين الخبراء السودانيين في مختلف القطاعات يُعدان خطوة محورية لتقليل الاعتماد على الخارج، بما يضمن استدامة المشاريع الوطنية ويعزز قدرة الدولة على تحقيق الاكتفاء الذاتي.
كما أن تحفيز الإبداع والابتكار لدى هذه الكوادر يتيح فرصًا واسعة لابتكار حلول محلية للمشكلات المزمنة التي يعاني منها المواطنون، خاصة في مجالات الخدمات الأساسية، مما يجسّد مبدأ المساواة ويصحّح اختلالات طالما رسّخت شعورًا بالتمييز بين أبناء الوطن الواحد.
لكن الواقع يشير أيضًا إلى تحديات لا يمكن تجاهلها، أهمها نقص الفرص الحقيقية وعدم توفير بيئة عمل محفّزة تستوعب الشباب المؤهلين. فغياب المناخ المهني السليم يدفع الكفاءات إلى البحث عن بدائل خارج الحدود، حيث تتوفر الفرص والإمكانات. كما أن ضعف الاستثمار في التدريب والإعداد المستمر يحدّ من قدرة الكوادر على مواكبة التطور العالمي المتسارع، خصوصًا في مجالات التكنولوجيا والاتصال والمعرفة الرقمية.
ولعل إنشاء برامج وطنية جادة للتدريب والتطوير، وربط الكفاءات بالخارج عبر منصات تشبيك علمية ومهنية، يمكن أن يسهم في تقليل الفجوة وتعزيز فرص العودة والاستقرار. فالعالم يتغير بسرعة، والسودان لا يستطيع أن يقف خارج السياق، خاصة في ظل ثورة هائلة تشهدها تقنيات المعلومات والذكاء الاصطناعي وأنظمة الإدارة الحديثة.
ختامًا، فإن احتضان الكفاءات الوطنية ليس خيارًا ثانويًا، بل هو حجر الأساس لبناء السودان الجديد. ومن خلال توفير الفرص العادلة وتهيئة بيئة داعمة ومحفّزة، يمكن للسودان أن يستعيد طاقاته المهاجرة ويستثمر في موارده البشرية التي تمثل رأس ماله الحقيقي. فالتنمية المستدامة لا تصنعها الشعارات، بل تصنعها العقول حين تجد الاعتراف والتمكين.
وبذلك يصبح احتضان الكوادر الوطنية هو الطريق الآمن نحو مستقبلٍ أفضل، وأكثر استقرارًا، وأكثر استحقاقًا لتضحيات أبناء هذا الوطن.




