رأي

الخرائط الخفية: صراع السودان بين الميدان والمعامل البحثية

دكتور الوليد آدم مادبو

 

دكتور الوليد آدم مادبو

لا شيء يجسد انحطاط الحركة الإسلامية السودانية أكثر من محاولتها المحمومة لإعادة شراء شرعيتها من أسواق النفوذ الغربي، بأموال الشعب التي نهبتها طوال العقود الماضية. إنهم لا يكتفون بتجريف الداخل، بل يواصلون منذ سنوات تلويث الوعي العالمي بإيجار الأقلام، وشراء مواقف السفراء السابقين، ومد الرشاوى الناعمة إلى بعض مراكز البحوث التي يفترض بها أن تكون حارسة للمعرفة لا وسيطًا في سوق الغنائم.

ومن أحدث الأمثلة على ذلك الجدل الذي أثاره Yale Humanitarian Research Lab HRL، عندما نشر تحليلات لصور أقمار صناعية قدمت بوصفها أدلة على “جرائم ماثلة” في دارفور. غير أن أسلوب إنتاج هذه المواد، وفق خبراء، افتقر إلى المعايير المنهجية التي تضمن الدقة والسياق، مما فتح الباب أمام تساؤلات حول استخدام النتائج خارج إطارها العلمي، وبشكل يخدم سرديات سياسية أكثر مما يخدم البحث الأكاديمي.

هذا الجدل يعيد إلى الذاكرة تحليل المفكر محمود ممداني لحملة Save Darfur في العقد الأول من الألفية، حين بين أن تلك الحملة لم تكن حركة إنسانية بحتة، بل جزءًا من استراتيجية سياسية أميركية هدفت إلى تعبئة الرأي العام داخليًا، وتحويل الانتباه عن قضايا أخرى مثل فلسطين. فالحملة، رغم أثرها الإعلامي الهائل، لم تنتج مشاريع تنموية في دارفور، ولم تعالج الجذور السياسية للنزاع، بل ساهمت في تبسيط صراع معقد إلى ثنائية عرقية سطحية. وانتهت الحملة، كما بدأت، لأسباب تتعلق بانتهاء الحاجة السياسية إليها، لا بانتهاء المأساة الإنسانية.

اليوم يتكرر المشهد: ما إن تقدم الدعم السريع في الميدان حتى انطلقت حملة شيطنة جديدة، يظن الكيزان أن براعتهم وراءها، بينما الحقيقة أن الغرب يستخدم فزعهم وغباءهم السياسي لتمرير مخططه الأبعد: وقف زحف الدعم السريع إلى أن تتضح معالم التقسيم المرغوب، ذلك التقسيم الذي تدرسه الدوائر الاستراتيجية منذ زمن طويل بوصفه الوسيلة الأضمن لمنع هذا البلد العملاق من النهوض كقوة وطنية موحدة بقرارها الحر.

وليس سرًا أن القوى الدولية تحرك وكلاءها الإقليميين للضغط على الطرفين المتقاتلين كي يظلا داخل الحدود المرسومة سلفًا. لطالما قلت إن المجموعتين المتحاربتين تسيران — من حيث تعلمان أو لا تعلمان — على سكك دفعت إليهما دفعًا من غرف عربية (خليجية ومصرية تحديدًا) تضع مصالحها قبل كل شيء، ولا يهمها إن أحرقت البلاد في حرب هويات لا تنتهي.

المفارقة المهينة أن الحركة الإسلامية التي تدعي محليًا أنها رأس الحربة ضد الصهيونية والإمبريالية العالمية هي ذاتها التي يسعى قائدها الفعلي اليوم — عبدالفتاح البرهان — إلى التملق لهاتين الجهتين بكل ما أوتي من جهل وانبطاح. إنه رجل رعديد، ضحل الخيال، لا يعرف من السياسة الأميركية إلا ظلالها، ويستخف بدوائر صنع القرار إلى حد يقارب السذاجة.

لقد انتهى دور هذا القائد المأزوم نفسيًا المتأرجح أخلاقيًا، وسيجرفه التاريخ إلى مصير من سبقوه من الطغاة — من القذافي إلى علي عبدالله صالح — إذ لم يعد يصلح لا للسلطة ولا للوظائف الرمزية التي كان يطمح إليها.

ختامًا، ستستخدم القوات المسلحة، على علاتها، وسيستخدم الدعم السريع أيضًا في اقتلاع دولة الإخوان المسلمين — الكيزان المفسدين — من جذورها، غير أن مستقبل السودان لن يرسم من منطق المصلحة الوطنية، بل من منطق التوافقات الإقليمية والدولية التي تكاد تكون مكتملة فصولًا.

وما بين عبث الكيزان من جهة، واستباحة الغرب لمصائر الشعوب من جهة أخرى، يبقى السودان رهينة لحظة مفصلية: إما أن يعيد تعريف مشروعه الوطني بعيدًا عن سماسرة الداخل وعملاء الخارج، أو يظل عالقًا في هندسات الآخرين، يلهث خلف خرائط ترسم في أماكن لا تعرف رائحة التراب السوداني.

November 30, 2025

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!