رأي

بابنوسة تتحرر… سقوط مفاصل الدولة المركزية وصعود مشروع السودان الجديد

إسماعيل رحمة المحامي المستشار القانوني الدولي

 

 إسماعيل رحمة المحامي والمستشار القانوني الدولي

حين تنهض الجغرافيا من تحت ركام التاريخ، يتبدل وجه السودان على إيقاع التحولات الكبرى. وبابنوسة واحدة من تلك المدن التي لا تُقاس أهميتها بمساحتها، بل بقدرتها على كشف مركز الأعطال التي لازمت السودان لعقود طويلة. فهذه المدينة، التي كانت لسنوات عقدة مواصلات السودان القديم وسُرّة خطوط السكك الحديدية بين الشرق والشمال والغرب والجنوب، أصبحت اليوم مرآةً تكشف تصدّع الدولة المركزية التي حكمت البلاد بقبضة ضيقة منذ 1956.

إن انتقال السيطرة على بابنوسة ليس مجرد تبدل ميداني؛ إنه إعلان عن اهتزاز البنية التي ارتكزت عليها النخب المركزية لعقود. فمن يمتلك هذه العقدة الجغرافية، يمتلك مفتاح فهم اختلالات السلطة والثروة التي أنتجت المظالم، ودفعت الأقاليم إلى هامش لا يليق بتاريخها ولا بسكانها. وبابنوسة، بما تمثله من موقع حاكم في شبكة النقل والطرق القديمة، تكشف اليوم هشاشة النموذج المركزي الذي تجاهل الأقاليم وجمالياتها وإمكاناتها.

لقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن مشروع الدولة القديمة، المعتمد على الإقصاء والهيمنة، يواجه لحظة سقوط حقيقية. فالعاصمة لم تعد مركزًا مقدسًا يحتكر القرار، ولا بقيت سلطة بورتسودان مظلة قادرة على فرض رؤيتها على بلد متنوع ومعقّد. وما جرى في بابنوسة يشير إلى أن السودان يعبر مفترق طرق يُعاد فيه تعريف مفهوم الشرعية، لا باعتبارها قوة تفرض، بل باعتبارها قدرة على تلبية احتياجات الناس وصون كرامتهم.

خطوط التراجع التي ظهرت في مراكز النفوذ التقليدية تؤكد أن المشروع الوطني الجديد  القائم على الفيدرالية الدستورية العادلة، ومساواة الأقاليم، وإنهاء إرث الإقصاء  لم يعد مجرد رؤية نظرية، بل أصبح واقعًا تدفعه التحولات الجغرافية والسياسية المتسارعة. وما يحدث اليوم يشبه ما يمكن تسميته بـ“تدوير التاريخ”؛ حيث تستعيد الأطراف حقها في المشاركة الحقيقية بصناعة الدولة.

وفي ظل هذا التحول، تبدو بابنوسة أقرب إلى جسر يعبر به السودان نحو مرحلة جديدة، لا مكان فيها لخطابات الاحتكار ولا لسياسات التقسيم التي صنعت الحروب. إنها لحظة تتطلب إعادة هندسة شكل الدولة، وبناء عقد اجتماعي شامل، يُنهي ظاهرة المركز الواحد ويكرّس دولة المواطنة والعدالة والتوزيع العادل للسلطة.

إن بابنوسة اليوم ليست مدينة تتحول ميدانيًا فقط، بل رمز لانتهاء مرحلة وبداية أخرى… مرحلة يكتب فيها السودانيون مستقبلهم بأيديهم، بعيدًا عن إرث الدولة المركزية التي عطّلت طاقاتهم لعقود، ومقرّبين البلاد من نموذج جديد تُحترم فيه الحقوق، وتُعاد فيه صياغة السودان كما أراده أهله: بلدًا للعدالة، والحرية، والسلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!