
ابو عبدالله الراشدي
كل مدينة تتحرر، تفتح بابًا جديدًا نحو مستقبل تُرسم فيه الدولة بأيدي أبنائها.
هكذا تبدأ صفحة جديدة في تاريخ السودان الحديث، حين خاض الأشاوس أعظم الحروب وكتبوا دروسًا في الشجاعة والبسالة والصمود، مؤكّدين أن قضاياهم العادلة لا يمكن كسرها. من تحرير الفاشر إلى تحرير بابنوسة، يمتد طريق مرصع بالإقدام والثبات، طريق حطم فيه جيش الحركة الإسلاموية، وأثبتت فيه قوات التأسيس أن إرادة الشعوب أقوى من كل جبروت مركزي ومن كل جيش فاسد اعتاد نهب الثروات وإذلال شعوب الهامش.
تحرير بابنوسة ليس مجرد إنجاز ميداني، بل محطة استراتيجية فارقة. المدينة تمثل “صُرّة السودان” بوابة حيوية تربط غرب السودان بجنوبه ووسطه، وتسيطر على موارد النفط والذهب والثروة الحيوانية والمحاصيل النقدية. السيطرة عليها أعادت رسم خريطة النفوذ في الإقليم، وأكدت أن المرحلة الجديدة تتطلب قراءة دقيقة للتوازنات العسكرية والسياسية، حيث لم تعد الهيمنة القديمة قائمة، ولم تعد روايات الاستبداد تصلح للتغطية على الانكسارات.
لقد أثبتت قوات التأسيس أن القوة الحقيقية لا تُقاس بالأسلحة وحدها، بل بقدرتها على تغيير الواقع وفرض إرادة الشعب على الأرض. تحرير بابنوسة وجه رسالة واضحة لكل شعوب الهامش والواقفـين على رصيف الانتظار: حان وقت كسر حلقات التذمر، واستعادة الحقوق، وبناء مستقبل جديد يقوم على الحرية والعدالة والسلام.
هذا الإنجاز التاريخي يعكس هزيمة المشروع الإسلاموي الذي عطل مسار السودان لعقود، ويفتح المجال أمام بناء دولة مؤسسية تعبر عن تطلعات كل السودانيين. المدينة، التي كانت رمزًا للهيمنة العسكرية والفكرية، أصبحت اليوم نموذجًا للتحول الوطني، حيث تتجسد الإرادة الشعبية في واقع ملموس يثبت أن التغيير ممكن إذا توحدت العزيمة والقدرة على التحرك.
ختامًا، إن تحرير بابنوسة يؤكد أن السودان على أعتاب مرحلة جديدة، مرحلة تتقدم فيها القوى المدنية والتأسيسية على إرث الفساد والهيمنة، ويفتح الطريق نحو دولة تعكس تطلعات الشعوب في الحرية والسلام والعدالة. إنه درسٌ للشعوب ولكل من يظن أن الهيمنة المركزية يمكن أن تستمر بلا مقاومة: إرادة الشعب لا تُقهر، والتحرير يبدأ من المدن التي تصمد وتنتصر.




