رأي

السودان على مفترق طرق: هزائم الماضي وفرصة التأسيس الوطني

ابو عبدالله الراشدي

 

أبو عبدالله الراشدي

يقف السودان اليوم على حافة لحظة تاريخية فارقة، لحظة تكشف هشاشة الأبنية المدنية والسياسية التي ورثها الشعب من الاستعمار، والتي لم تُبْنَ على أسس صلبة. المؤسسات التي عاشت مع الشعب بعد الاستقلال لم تتجاوز إرثاً هزيلاً من الانقسامات والأطر التقليدية، فقوى سياسية وعقائدية وأيديولوجية انكفت على نفسها، محصورة في مصالح ضيقة، عاجزة عن تمثيل الشعب أو مواجهة تحديات العصر الحديث. وكما يُقال: “من لا يخطط للمستقبل، يعيش تكرار أخطاء الماضي”، والسودان لم يخرج بعد من دائرة الهشاشة التي ورثها.

الضعف المؤسسي الذي نعانيه لم يكن صدفة، بل نتيجة تراكمات زمنية. الأبنية السياسية التقليدية بقيت أسيرة الولاءات المحلية، والانقسامات العرقية والدينية، وانغمس كثير منها في الدفاع عن مصالح شخصية على حساب المصلحة العامة. لم يكن هناك مكان للأفكار والبرامج، بل للانتماءات الضيقة، حتى أصبح المواطن شاهداً على تراجع الدولة أمام أزمات الحياة اليومية، متسائلاً: “كيف نثق بمن لا يستطيع أن يحمي وطنه؟”

الحرب الأخيرة كشفت أكثر من أي وقت مضى هشاشة هذه القوى، وعجزها عن تقديم حلول حقيقية. الكثير منها أصبح متفرجاً على الواقع، أو يسعى لتبرير فشله خلف خطاب نظري لا يلامس الواقع، بينما الشارع يعاني ويلتقط الدروس بنفسه. وهذا يوضح أن الانكفاء على الأطر التقليدية والعقائدية لم يخدم الوطن، بل عمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع. “الأمة التي لا تصنع مؤسسات قوية، تصنع الفوضى”.

إن الحاجة اليوم ملحّة لإعادة تأسيس حقيقي: مؤسسات مدنية وسياسية تقوم على برامج واضحة، وأفكار وطنية متجددة، وخطط قابلة للتطبيق. هذه المؤسسات يجب أن تكون قادرة على إدارة الدولة بكفاءة، بعيداً عن الولاءات الضيقة أو المصالح الشخصية، وأن تضمن مشاركة كل المواطنين في عملية صنع القرار. يجب أن تصبح الدولة أداة لحماية حقوق الناس وتنمية البلاد، لا ملعباً للمصالح الضيقة والفئوية. كما قيل: “الأمة التي تبني أفكارها على العدم، ستظل تدور في دوامة الهشاشة”.

الفرصة الآن أمام السودان ليست مجرد إعادة ترتيب أوراق، بل تأسيس مشروع وطني حقيقي يقوم على الأفكار والبرامج والمؤسسات التي تضع المواطن في المركز، وتحقق العدالة والكرامة للجميع. إذا فشلنا، فإن التاريخ سيكرر نفسه، والهياكل القديمة ستظل تنتج ضعفاً وهشاشة جديدة. وكما قال الفيلسوف: “من يعجز عن بناء الأساس، يظل أسرى ما هدمه الماضي”.

السودان يقف اليوم على مفترق طرق: إما أن نؤسس لبناء قومي متين، أو نترك الماضي يتحكم في حاضرنا ومستقبلنا. القوة الحقيقية ليست في التمسك بالموروث الهش، بل في الجرأة على بناء جديد، مؤسسات قائمة على العقل، الكفاءة، والبرامج، ليعود السودان دولة قوية، عادلة، وقادرة على مواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!