رأي

مادورو. وترامب .والبرهان. تشابكات سياسية تعيد طرح الوصفة الفنزويلية في السودان.               

عماد جدو

             

عماد ابكر جدو 

منذ الانقلاب الذي نفذته الجبهة الإسلامية على النظام الديمقراطي وحكومة السيد الصادق المهدي في مطلع التسعينات، دخل السودان مرحلة من القطيعة المتزايدة مع الولايات المتحدة. ففي تلك الفترة كان الرئيس الأميركي جورج بوش الأب يتعامل بحزم مع أنظمة تعدها واشنطن معادية، وكان أبرزها نظام الجنرال البنمي مانويل نورييغا . الذي انتهى به الأمر إلى عملية عسكرية أميركية أطاحت به وقادته إلى محاكمة داخل الولايات المتحدة.

تلك الحادثة خلقت لدى قطاعات واسعة من السودانيين المعارضين أمنية بأن تتكرر العملية البنميةضد الرئيس السوداني عمر البشير، وهو ما انعكس في الأغاني والدعاية التي صاحبت انقلاب الإنقاذ، ومنها العبارة الشهيرة “رئيسنا ما نورييغا… رئيسنا السيف البقطع.

مرّت السنوات، ليصدر المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو في 2009 مذكرة توقيف بحق البشير وعدد من قادة نظامه. وبعد أيام قليلة من إصدار المذكرة، تناقلت وسائل الإعلام خبر الإفراج عن نورييغا في ملف موازٍ بدلالاته، ما أعاد إلى الذاكرة المقارنة بين التجربتين.

اليوم، ومع استمرار الأزمة السودانية وتعنت رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في الاستجابة للمبادرة الرباعية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، مصر)، والتي دعت إلى وقف إطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر كبداية لمسار سياسي جديد، تبدو واشنطن أكثر انخراطاً في ملفات متشابكة خارج المنطقة، وفي مقدمتها الأزمة الفنزويلية.

فجأة تصاعدت الأزمة بين واشنطن وكاراكاس، ليطرح الرئيس دونالد ترامب على نظيره نيكولاس مادورو مغادرة فنزويلا خلال مهلة أسبوع في إطار صفقة خروج آمنة. وبرغم أن مادورو يوصف بالدكتاتور، إلا أنه يُظهر مقارنةً بالبرهان . قدراً أكبر من البراغماتية والتعاطي الواقعي مع الضغوط الدولية، الأمر الذي يرجح احتمالات استجابته للعرض الأميركي.

وإذا ما استقرت الأزمة الفنزويلية على حل نهائي خلال الأيام المقبلة، فإن الأنظار ستتجه مباشرة إلى ملفات أخرى تراها واشنطن ساخنة، وعلى رأسها الملف السوداني. وهنا يبرز السؤال

هل يمكن أن تُطبّق واشنطن الوصفة الفنزويلية في السودان.

المؤشرات الأولية تقول إن السياق الدولي والإقليمي تغيّر جذرياً عن تسعينات القرن الماضي. ترامب نفسه عاد أكثر اندفاعاً في استخدام “الضغط المباشر” مع الأنظمة التي تعيق الاستقرار أو تهدد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها. ومع تعنت البرهان، ورفضه الانخراط الجاد في مسار وقف الحرب، وتمسكه بسيطرة نظام بورتسودان، تبدو واشنطن أمام خيارات أكثر صرامة.

في المقابل، يفتقر البرهان إلى الحاضنة الدولية والإقليمية التي امتلكها نظام البشير في سنواته الأولى، كما أن الكلفة الإنسانية للحرب السودانية جعلت الأزمة أكثر إلحاحاً لدى المجتمع الدولي.

بذلك، يصبح السيناريو الفنزويلي – أو نسخة معدلة منه – مطروحاً بقوة على طاولة صانعي القرار في واشنطن بمجرد طيّ صفحة مادورو. والوقائع على الأرض تشير إلى أن السودان قد يكون التالي في أجندة البيت الأبيض، خاصة إذا استمرت عرقلة أي جهد جاد لوقف إطلاق النار والدخول في عملية سياسية تنهي الحرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!