رأي

حول صراع الهوية

مليح يعقوب حماد - باحث بالمركز الأفريقي للديمقراطية والتنمية

يعتبر موضوع الهوية من أكثر القضايا الخلافية المثارة باستمرار في أروقة السياسة السودانية وقد تبارت حولها العديد من الأطروحات، ونجحت إلى حد ما في تفكيك شفراتها، فالعصف الذهني حولها يستمر إلى حين وآخر ويتباين من مجموعة لأخري، وبرغم الجدل المثار حولها إلا أنها ظلّت راسخة في وجدان الشعب وحاضرة في كل شبر من ترابه ماضية بثباتها للأمام، وتتشكّل في كل مرة على نحو أرحب، وبالعودة إلى تاريخ الثورات الوطنية نستنبط أن الهُويّة السودانية قد حجزت مكانها من التاريخ وسطّرت لنفسها أيقونة من التحدّي والصمود.
فقد صمدت الهُويّة السودانية في وجه الأنظمة الشمولية وقاومت المحن والظروف وواجهت كل المتغيّرات الثقافية والأيديولوجية والسياسية التي تحاصرها من كل الجوانب، فالأنظمة الشمولية المدنية والعسكرية هي التي صنعت أزماتها وزادات تعقيداتها لما يلازمها من فشل في الإدارة والأخلاق، حيث أساءت التنوع وتهرّبت من دفع فواتير التنمية ، فعلى سبيل المثال لا الحصر: عندما سيطرت الحركة الإسلامية على السلطة في عام 1989م اختزلت الدولة في نفسها وشرخت هٌويّاتها السياسية والاقتصادية والوطنية والدينية واللغوية والثقافية والعرقية، وبرغم استمرارية الحروب، ظلّت الهُويّة السودانية حاضرة في وجدان الشعب ووسط العامة وفي الأفراح والأتراح والأسواق والأزياء والأديان والأكلات والرقصات واللغات والثقافات والفنون والتقاليد والعادات، كما ظلّت الهُويّة السودانية أكثر تماسكا من مؤسسات الدولة -المدنية والعسكرية- والتي ولدت مشوّهة ومشروخة وحاملة معها شهادات وفاتها وبدلا أن تسعى لمعالجة أمراضها، ضاعفت من عوامل انهيارها ومارست على شعبها شتّى أشكال العنصرية الحزبية والعسكرية والجهوية والسياسية، وقد جثمت على صدر الشعب قرابة السبعون عاما، مع علمها التام بأنها مقسومة في داخلها إلى مركز وهامش، ولم تصلح يومًا من الأيام على أن تكون مرآة قومية جامعة للشعوب السودانية أو صورة عامة من حياتها اليومية، كما تجاهلت قيمة الإنسان السوداني واستهترت بتنوعه.
ويرجع السبب في تماسك الهوية السودانية إلى أصالتها و عراقتها وتسامح مشتركاتها، وتكامل عناصرها، فالشعب السوداني -نوعا ما- يعتبر أكثر ثباتًا من الشعوب الأخرى والتي مرّت بنفس التجارب المريرة ومن ضمنها الشعبين الأمريكي والماليزي، ويكمن الفرق بينها وبين السودان، هو أن تلك الدّول نجحت في معالجة أخطائها ولجأت إلى تطبيق الديموقراطية والعلمانية والفيدرالية والعدالة والتنمية المتوازنة، والهُوية في مفهومها الأعم. تعني وجود قواسم مشتركة بين السكان في منطقة جغرافية محدّدة، وتتجدّد من حين إلى آخر وتختلف نسبيًّا من قومية إلى أخرى ومن إقليم إلى آخر ومن دولة إلى أخرى.
فالتطور الإيجابي بالنسبة للهُوية، وفي بلد متعدد الثقافات مثل السودان، يعتمد على حماية العموميات والخصوصيات ورعاية المشتركات والمختلفات وبشكل متوازي ومتساوي بين جميع المكونات الإجتماعية للدولة، والتي ينبغي عليها أن تسعى إلى تحديد نوعية العلمانية والفيدرالية والديمقراطية المتماشية مع تركيبة سكانها. ومع تحديد آلياتها المناسبة لإدارة التنوع كالفيدراليات الثقافية والمالية والمعيارية والديموقراطية التعددية وبوتقة الانصهار السودانية ومنظور الوحدة في اطار التنوع والعدالة الإجتماعية والتنمية المتوازنة والوقوف علي مسافة واحدة من جميع القوميات والتوزيع العادل للسلطة والثروة والموارد وإعادة بناء مؤسسات الدولة وفق أسس وطنية جديدة وتطبيق القوانين الداعية للعدل والمساواة بين الجميع في الحقوق والواجبات ومحاربة كافة أشكال العنصرية المعلنة والخفية ومنح الأقاليم فرصة كافية للتحكم في مواردها وإدارة التنوع في داخلها من باب أن أهل مكة أدري بشعابها.وزيادة صلاحياتها القانونية والتشريعية وما إلى ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!