رأي

بابنوسة تكتب الدرس الأخير لأبناء الهامش

يعقوب التجاني المحامي

 

يعقوب التجاني – المحامي

لم يكن تحرير مدينة بابنوسة حدثاً عابراً في سجل الصراع السوداني، ولا مجرد انتصار عسكري على جيش الحركة الإسلامية التي أحكمت قبضتها على الإقليم سنوات طويلة؛ بل كان محطة عميقة الدلالات، تحمل بين طياتها دروساً ينبغي أن يعيها أبناء الهامش، خصوصاً أولئك الذين ما زالوا يقاتلون تحت رايات لا تمثلهم، ويقدّمون أرواحهم دفاعاً عن سلطة لم تمنحهم يوماً ما يستحقونه من حقوق أو كرامة. وكما قال الحكماء: «من لم يعتبر بسقوط غيره، سقط غيره ليعتبر به».

ما بدر من بعض أبناء كردفان ودارفور ممن انخرطوا في صفوف الحركة الإسلامية—أمثال دَرْموت والمقدم الأسير حماد—يمثل جرحاً غائراً في وجدان المجتمع. هؤلاء الذين اختاروا، تحت تأثير التحريض، الوقوف في وجه إداراتهم الأهلية ووجهاء قبائلهم، خالفوا إرثاً تاريخياً يقوم على احترام صوت الحكماء. فقد اجتمعت قيادات المسيرية، زُرقها وحُمرها، ونصحت دَرْموت بترك مواقع القتال حفاظاً على الدم ودرءاً للفتنة، لكنه آثر أن يسمع صوت المحرّضين من الحركة الإسلامية على صوت أسياده الذين نشأ بينهم.

إن الكلمات التي ظل يرددها طارق كيجاب، حكّامة الحركة الإسلامية، حين قال: «درموت اختار الله وترك الشيطان» ليست سوى صيغة جديدة لسياسة قديمة: فرق تسد. فالحركة ما انفكت تصوّر لأبناء الهامش أن الولاء لها هو الولاء للوطن والدين، وأن العصيان لها عصيان لله، بينما هي في حقيقة الأمر—كما يعرف الجميع—تعامل هؤلاء كمجرد أدوات حرب لا أكثر. وقد لخّص د. الناجي هذه الذهنية المهينة حين قال لهم: «إنتو الغبش الشينين محلكم القتال وأرض المعركة».

أبناء الهامش الذين يقاتلون معها ليسوا شركاء في الوطن بنظرها، بل جنوداً يُدفع بهم إلى خطوط النار لتظل السلطة في يد من يحتكرونها منذ عقود. وكما يقول المثل: «من جعل نفسه جسراً للآخرين، فلا يلومنّ من يعبر عليه». وهكذا فعلت الحركة الإسلامية حين حوّلت أبناءنا إلى وقود حروبها، بينما يقيم أبناؤها في الخارج آمنين مرفّهين.

أما درموت الذي كان بالأمس يتحدى أبناء عمومته، ويفاخر بأنه ثابتٌ لا يتزحزح، فقد ولّى هارباً ساعة الحقيقة، تاركاً خلفه ما سيبقى في الذاكرة طويلاً. والمقدم حماد، الذي رفض نصائح الإدارات الأهلية، وقع أسيراً بين أبناء جلدته، معترفاً بأن التحريض الذي كان يخضع له كان سبباً في احتقانه ورفضه للانسحاب، بل واعترف بأنهم—هو ودرموت—منعوا جنودهم من المغادرة رغم توسّلات الحكماء.

إن ما جرى يذكّرنا بمقولة خالدة: «من خالف السديد من الرأي ضلّ، ومن عصى العقل ذلّ». وقد ذلّ من أعرض عن صوته الداخلي وصوت مجتمعه واستجاب لصوت من لا يريد له الخير.

على أبناء كردفان ودارفور ممن يقاتلون الآن في صفوف جيش الحركة الإسلامية أن يقفوا لحظة صدق مع أنفسهم، وأن ينظروا إلى مصير حماد وجودات ودرموت. وأن يتذكروا قول المثل: «العندو كبير ما بقع في البير»، فالكبير هنا هو الحكمة، والإدارة الأهلية، وصوت المجتمع. ومن تجاهله سقط، ومن استنار به نجا.

أما أولئك الذين يظنون أن إخلاصهم للحركة الإسلامية سيمنحهم مكانة أو حصانة—أمثال كباشي وكبرون وإبراهيم جابر ومفضل—فعليهم أن يتأملوا مصير من سبقهم، فالتاريخ لا يرحم، وسُنّة الظلم واحدة: «الظلم يَمْهَل ولا يَهْمِل». ومن يظن أنه في مأمن اليوم قد يجد نفسه غداً وحيداً، بعد أن تنفض الحركة يدها عنه كما تخلت عن سواهم.

إن قوات التحالف التأسيسي التي تقاتل اليوم ليست ثورة على قبيلة أو جهة، بل ثورة على التهميش والظلم واحتكار السلطة، ومن الخطأ الفادح أن يقف أبناء الهامش ضد أنفسهم. فكما قيل: «لا يحرر العبيدُ سادتَهُم، بل يحررون أنفسهم».

ختاماً، فإن تحرير بابنوسة ليس نهاية معركة بل بداية وعي جديد. وعي بأن الانحياز لصوت المجتمع هو الطريق الصحيح، وأن من يختار أهله لا يخسر، ومن يختار جلاده لا ينتصر. «Cry the beloved country»… نعم، ابكِ يا وطني، لكنك اليوم تبكي خروجاً من الظلام لا سقوطاً فيه.

يعقوب التجاني

المحامي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!