
عبدالعزيز بخات المحامي
لم يعد السؤال عن الحرب سؤالًا عابرًا في وجدان السودانيين، بل صار سؤالًا وجوديًا يطرق الضمير بإلحاح: هل بلغنا حدّ التشبّع من الموت، أم أن في جعبة هذا الخراب مزيدًا لم يُستوفَ بعد؟ وهل يمكن لحربٍ أن ترتوي من دماء أبنائها، أم أننا نحن الذين بلغنا أقصى احتمالات الفقد حتى صرنا لا نُحسن سوى الصمت؟
لقد تغيّرت ملامح الحياة حتى كادت تختفي. صار الموت خبرًا يوميًا لا يثير الدهشة، والنزوح قدرًا متكرّرًا لا يترك للإنسان سوى خيمةٍ مؤقتة، تمتدّ بها الإقامة حتى تغدو وطنًا بديلًا. تلاشت البيوت من الذاكرة، كما تلاشت المدن من خرائط الأمان، وغدا الفرق بين مدينةٍ مدمّرة وأخرى تنتظر دورها فرقًا في الزمن لا في المصير.
أما الاقتصاد، فقد انحدر إلى مستوى لم يعد فيه الجوع طارئًا، بل لغةً يومية. والزراعة التي كانت عماد البقاء جفّت، والبنية التحتية تآكلت حتى صار الطريق نفسه امتحانًا للصبر. المدارس غابت، فامتدّ الجهل بامتداد الحرب، والمستشفيات انهارت، فصار المرض حكمًا مؤجلًا بالموت. هكذا تتكامل ملامح الانهيار، حتى يبدو الوطن كجسدٍ يُنهك من داخله دون رحمة.
أي منطقٍ يقبل أن يتحوّل القتل بين أبناء الوطن الواحد إلى أمرٍ عادي؟ وأي ضميرٍ يرضى أن تُختزل الدماء في أرقام، وأن تُبتلع الصرخات في صمتٍ بارد؟ لقد فقدت الحرب معناها الأول، فلم تعد تدافع عن أحد، ولم تعد تحمي شيئًا. صارت، ببساطة، عدوًا للإنسان، وللكرامة، وللمستقبل.
إن استمرار الحرب لم يعد بطولة، بل تعبيرًا عن فشلٍ جماعي في حماية ما تبقّى من هذا الوطن. وإذا كان ثمة من يرى في استمرارها مصلحة، فليُجب: مصلحة من؟ ومن يدفع الثمن؟ ومن سيبقى ليحصد نصرًا موهومًا إذا كان الناس قد أنهكهم الموت والنزوح والخوف؟
إن لحظة التشبّع من الألم يجب أن تكون لحظة وعي، لا لحظة استسلام. لحظة نقول فيها “كفى”، لا من باب الضعف، بل من باب القوة؛ قوة الاعتراف بأن الحياة أولى من الحرب، وأن السلام ليس هزيمة، بل انتصار للإنسان.
نريد سلامًا يعيد للناس بيوتهم وكرامتهم، واستقرارًا يعيد للاقتصاد عافيته، وللزراعة روحها. نريد عدالةً لا تُفلت مجرمًا ولا تظلم بريئًا، ومحبّةً تُرمّم ما كسرته الكراهية.
ليس عيبًا أن نتوقّف عن الحرب، بل العيب أن نستمر فيها رغم هذا الخراب. وليس عيبًا أن نختار السلام، بل العيب أن نخاف منه. فإن لم يكن هذا أوان التوقّف، فمتى يكون؟ وإن لم نختَر نحن الحياة، فمن يختارها لنا؟




