رأي

من قندتو إلى بورتسودان.. قصة البرهان والعلم 

علي سانتينو

 

علي سانتينو 

لا شيء يعبّر عن الانهيار الأخلاقي والسياسي للجنرال المنحط عبد الفتاح البرهان أكثر من جرأته على الإقتراب من علم السودان، وكأنه خرقة معلقة على زريبة الأغنام في قندتو. ما يبدو على الرجل ليست مجرّد رعونة عسكرية؛ بل سقوط كامل في مستنقع الطغيان، حيث يتوهم أن الدولة ملكية خاصة يعبث برموزها كما يشاء، وأن تاريخ أمة بأكملها قابل للاستبدال وفق مزاج دكتاتور متعثر!

قائد الجيش السودانى قدّم نفسه لسنوات كحارس للسيادة الوطنية، لكنه بات عميل مصري لم يرَ في سيادة البلاد إلا فرصة لدعاية يوزعها على جمهور الفلول في بورتسودان، مركز بقايا النظام الكيزاني الفاسد، تعامل البرهان مع مفهوم الوطن وكأنه ديكور لسلطة وقحة، لا كحَق أصيل انتزعه السودانيون بدمائهم الشريفة في معارك الاستقلال. لم يعد الرجل يخاطب الشعب، بل كان يخاطب جماعة إيديولوجية تتعامل مع السودان كوقف للتنظيم الإسلاموي، لا كدولة مستقلة لها شعب وذاكرة!

ومهما حاول البرهان أن يختبئ خلف الشعارات الزائفة والخادعة فإن الحقيقة التي تحاصره واضحة كالشمس، هزائم متتالية في الفاشر وبابنوسة، ارتباك واضح داخل قيادته العسكرية، وتصدعات تضرب المؤسسة التي يدّعي حمايتها. ولأن الهروب عادةُ كل سلطة مأزومة، اختار الجنرال إثارة معركة وهمية حول (علم السودان) لينصرف الناس عن الأسئلة الحقيقية والكبيرة، لماذا تتراجع قواته، من المسؤول عن الكوارث الإنسانية، ولماذا تتصاعد الضغوط الدولية بشأن الاتهامات المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية محرمة دولياً.. هذه الاتهامات سواء ثبتت أو لم تثبت ستكشف شيئاً أكبر هو أن قيادة الجيش أصبحت أسيرة نفوذ الإخوان المسلمين داخل المؤسسة العسكرية، وأن القرارات لا تُصنع وفق منطق الدولة، تصنع وفق عقلية تنظيم متشدد يسعى للبقاء بأي ثمن. لهذا يحاول البرهان صناعة ضجيج وطني مزيف، يختبئ خلفه من فشل سياسي وعسكري وأخلاقي لا يمكن تغطيته ابداً بفقاعات خطابية!

وبمجرد أن يتجرأ قائد جيش على التفكير في تغيير علم البلاد، وهو غارق في أزماته، فهذه ليست نزوة عابرة؛ بل إعلان صريح بأن هذا الجنرال المغرور فقد أي صلة له بالواقع. العلم ليس قطعة قماش يعيد تشكيلها حين تتعثر سلطته، ولا واجهة لتسويق مشروع إيديولوجي زائل. العلم رمز وتاريخ وشعوب، ليس ملكاً لجنرال يتصرف وكأن البلاد مزرعة ورثها عن أسلافه!

يجب أن يفهم الجميع أن السودان أكبر من هذا البرهان، ومن كل محاولات إحياء الدولة الكيزانية عبر بوابات جيش القوقو. وان أخطر ما يفعله هذا الجنرال المترنح أنه ظل يحاول استبدال فشله بمعارك رمزية، وتوجيه الأنظار بعيداً عن الأسئلة التي يخشاها حول من يحكم الجيش فعليًا؟ ولماذا يتم استنزاف البلاد باسم شعارات ايديولوجية فارغة؟ الجميع يفهم أن البرهان ليس في معركة مع علم السودان؛ لكنه في معركة مع الحقيقة. وحين يصل قائد الجيش إلى هذه المرحلة من الارتباك، يصبح الخطر الأكبر ليس في قرارات الرجل، الخطر في بقائه على رأس المؤسسة العسكرية نفسها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!