رأي

سودان جديد  نفسياً  سلسلة: تفكيك مصفوفة الوهم (2)

مجدي محمد مصطفى ماكن

 

مجدي محمد مصطفى ماكن

الحرب النفسية هي الحرب التي تستهدف الوعي و الإدراك.

وهي أولى ساحات قتال دولة 56 ضد المواطنين السودانيين.

هندسة الهزيمة: «الأجر النفسي».. كيف تصنع دولة 56 من هشاشة المواطن في الشمال استعلاءً زائفاً؟

مقدمة لا بد منها: لماذا يجب أن نحصن أنفسنا (نفسياً) أولاً؟

ليس صحيحاً أن الهزائم الكبرى تبدأ دائماً في ساحة المعركة؛ فكثير من الهزائم يبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة، في مكان أكثر خفاءً وأشد خطورة: في العقل نفسه. قبل أن توجه “دولة 56” بنادقها ومسيراتها نحو صدورنا، وجهت قذائفها غير المرئية نحو وعينا وإدراكنا. لقد عملت هذه المنظومة الخبيثة كـ “نظام تشغيل” (Operating System) صُمم بعناية لاحتلال عقولنا قبل أراضينا.

الهدف من هذه الحرب النفسية المستمرة كان واضحاً: أن تعيد ترتيب صورتنا عن أنفسنا، وأن تزرع داخلنا “شرطياً داخلياً” يجعل القمع يبدو طبيعياً، والتفاوت يبدو منطقياً. هذه الهندسة الخبيثة لم تسرق ثرواتنا فقط، بل سرقت قدرتنا على التضامن؛ فقد علمتنا أن نخاف من “الغريب” الذي يشاركنا الوطن، أكثر من خوفنا من الطاغية الذي يسرقنا معاً.

إن التحرر العسكري أو السياسي الذي ينجح في تغيير خرائط السيطرة، لكنه يعجز عن تحرير الإدراك، سيظل تحرراً منقوصاً وقابلاً للارتداد، وسيعيد إنتاج الجلاد بوجوه جديدة. لذلك، فإن التحصين (النفسي) وبناء مناعة إدراكية ضد قذائف التلاعب بالوعي، ليس ترفاً تنظيرياً، بل هو “شرط تأسيسي” لبناء السودان الجديد. لا يمكننا تأسيس وطن حر بمواطنين ما زالوا يحملون زنازينهم في عقولهم.

ومن هنا نبدأ تشريح أولى وأخطر قذائف هذه الحرب: لعبة “الأجر النفسي” والاستعلاء الزائف.

من هو الضحية الأولى؟

لا تندهش عزيزي القارئ، أنه مواطن المركز النيلي نفسه!

مفارقة المركز: لماذا يحرس الفقير بوابة سجانه؟

دعونا نطرح السؤال الذي يتهرب الجميع من مواجهته: لماذا يدافع موظف بسيط أو مزارع فقير في الشمال، أو نهر النيل، أو الجزيرة، أو أطراف الخرطوم، عن نخب وجنرالات تسرق خبزه، وتنهب ثروات بلاده، وتتركه بلا تعليم ولا صحة ولا أمل؟.

كيف نجحت “دولة 56” في جعل قطاعات واسعة من هؤلاء المطحونين تبرر جرائم النظام، أو تصمت عنها، بل ربما وتستعد للموت في حروبه العبثية؟.

الإجابة تكمن في مقولة مرعبة: “يمكن أن تسلب من الإنسان كل ممتلكاته، لكنك إن تركت له وهم التفوق على غيره، فقد يظل يحرس بوابة سجانه”.

الدولة العميقة كانت تعلم أنها لا تستطيع، ولم تحاول حقاً، أن تشبع أغلبية سكان “المركز” جغرافياً واقتصادياً. لكنها بذكاء شيطاني، عقدت معهم صفقة غير مكتوبة: لن نمنحكم السلطة ولا الثروة، لكننا سنمنحكم “أجراً نفسياً”.

«الأجر النفسي»: الرشوة الرخيصة التي تقتل الوعي

“الأجر النفسي” (Psychological Wage) هو مكافأة خفية، تُصرف في الوعي لا في البنوك. هو ذلك الشعور بالامتياز الرمزي الذي يُمنح للفقير من فئة معينة، ليحتمل بؤسه مقابل إحساسه بأنه “أعلى” من فئة فقيرة أخرى.

لقد أُقنع المواطن البسيط في المركز بأنه “ود البلد “، وأنه “النموذج القياسي” للتحضر والوطنية، وأن لغته وسحنته هما المعيار. هذا الموقع الرمزي لم يقصر له طوابير الخبز، ولم يرفع راتبه، ولم يعطه صوتاً في القرار. لكنه منحه إحساساً غامضاً بأنه ليس في “القاع”.

هذه الدرجة الصغيرة في السلم الوهمي تستمد قيمتها كلها من وجود أشخاص “تحتها” (أبناء الهامش). فالمواطن هنا لا يملك سيادة على مصيره، لكنه يملك وهم القرب من السيادة؛ لأن الدولة سمحت له بالنظر إلى غيره من عَلٍ، وسمحت له بتسمية الآخرين “هامشاً” أو “غرابة” أو “رطانة” أو “جنجويد” أو “أولاد الضيف” أو “أمكعوك”.

بهذه الرشوة المعنوية الرخيصة، اشترت الدولة وعي المواطن. أصبح يتحمل الإهانة اليومية من الجلاد، لأن الدولة وفرت له من يلقي عليه ثقل هذه الإهانة (الهامش).

الاستعلاء التعويضي: جرح مغلف بالغطرسة

نحن بحاجة إلى تثبيت حقيقة مزعجة لكنها حاسمة: الاستعلاء في السودان لم يكن يوماً نتاج قوة حقيقية؛ بل دائماً ما كان نتاج هشاشة مُدارة، وفقر مغطى، وعجز مستتر.

إن الاستعلاء الذي نشاهده اليوم (في وسائل التواصل، وفي خطابات التخوين، وفي دعم آلة الحرب) ليس سوى “استعلاء تعويضي” (Compensatory Supremacy). إنه جرح مقنع يقول صاحبه في اللاوعي: “أنا موجوع، لكني سأحتمل وجعي ما دمت لست في أسوأ موقع ممكن”.

الثقة بالنفس “الحقيقية” تقوم على الكرامة المتبادلة المتساوية، أما الاستعلاء التعويضي فيقوم على العكس تماماً: “أنت ذو قيمة فقط لأن هناك من هو أدنى منك”. ولهذا السبب تحديداً، يُنتج هذا “الأجر النفسي” شخصية قلقة، هشة، مرعوبة من فكرة المساواة الحقيقية.

فالمركزي الفقير يرى في مطالب المهمشين بالعدالة “تهديداً” له؛ ليس لأنهم سيأخذون ماله (فهو لا يملك مالاً)، بل لأنهم سيأخذون موقعه الرمزي الوحيد كـ “سيد للبلد”. إذا صعد الهامش، سينهار السلم الوهمي، وسيكتشف المواطن المطحون أنه كان يجلس في القاع مع أخيه المهمش طوال الوقت.

كسر الخوارزمية العاطفية للجلاد

إن “دولة 56” لم تخلق فقط “سيداً” و”عبداً”، بل خلقت طبقة واسعة محشورة في المنتصف؛ تعيش في البؤس، لكنها مُنحت حق احتقار من هم أشد بؤساً، لكي يبقى غضبها موجهاً إلى الأسفل (نحو الهامش) بدلاً من توجيهه إلى الأعلى (نحو كارتيل الفساد والسلطة).

خطوتنا الأولى نحو الشفاء الجذري وتأسيس السودان الجديد تبدأ من تفكيك هذه الخدعة.

على المواطن البسيط في الشمال والوسط أن يدرك أن “استعلاءه” لم يبنِ له مستشفى، ولم يُعلم أبناءه، ولم يمنحه كرامة حقيقية. يجب أن نرفض هذه “الرشوة النفسية” المهينة، وأن ندرك أن الكرامة لا تُبنى على إذلال الآخرين، وأن العدو الحقيقي ليس النازح في معسكرات دارفور أو المهمش في جبال النوبة، او من يحمل السلاح مجبرا ليدافع عن نفسه، بل هو تلك المنظومة التي أفقرتنا معاً، وجعلتنا نتقاتل لكي تستمر هي في الحكم.

(الأجر النفسي) آلية تلاعب نفسية معروفة ومعلومة – استخدمها النازيون و استخدمها البيض في أمريكا زمن الفصل العنصري.

المطلوب من شرفاء السودان خصوصا علماء النفس و الاجتماع ان يتصدوا لتفكيك هذا السلاح الخطير و تحرير إنسان المركز الغارق في وهم التفوق.

ذلك مدخل مهم للتخلص من مخلفات الحرب النفسية التي خاضتها دولة 56 التي تقتات على الدماء و الفرقة، ضد ادراكنا و وعينا الجمعي.

5 أبريل 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!