
نجم الدين دريسة
في تصريح مباشر لقناة العربية الحدث، ظهر رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان وهو ينكر وجود أي أعضاء من جماعة الإخوان المسلمين داخل الجيش السوداني، قائلاً: “لا نعرف من هم، نسمع عنهم فقط في الوسائط الإعلامية”. هذا التصريح، الذي انتشر بسرعة على وسائل الإعلام، يمثل نموذجًا صارخًا للكذب المستمر والمعلَن، إذ يكذب البرهان كما يتنفس، وأحاديثه كلها متناقضة وفجة، بلا أي محاولة للتوفيق بين القول والفعل. قد ينكر الفم طعم الماء من سقم، لكن إنكار البرهان لوجود الإسلاميين داخل الجيش لا يمكن أن يخفي الحقيقة الماثلة أمام أعين الجميع.
الواقع أن البرهان لم يكن قائدًا عسكريًا فقط، بل تولى أيضًا موقعًا دستوريًا في حكومة وسط دارفور، وهو ما يؤكد تورطه المباشر في العمل السياسي ضمن هياكل الحركة الإسلامية. هذا التاريخ يجعل إنكاره اليوم ليس مجرد موقف خاطئ، بل نفاقًا متعمدًا، إذ أن وجوده السياسي والإداري في هياكل الدولة كان دائمًا مرتبطًا بالإسلاميين، وإنكاره الحالي لا يخفي سوى حقيقة واحدة: أنه جزء من المنظومة نفسها التي يدّعي مواجهتها.
كما يوضح سياق الأحداث، فرضت الولايات المتحدة في سبتمبر 2025 عقوبات على وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم وكتيبة البراء بن مالك الإسلامية، في محاولة للحد من تأثير الإسلاميين المتشددين وكبح أنشطة إيران الإقليمية. وتفيد تقارير 2024 بأن إيران زوّدت الجيش بطائرات مسيرة ساهمت في العمليات العسكرية التي أعادت السيطرة على الخرطوم بعد عامين من سيطرة قوات الدعم السريع، ما يعكس استمرار النفوذ الإسلامي داخل الجيش والدولة، وهو النفوذ الذي ينكره البرهان دون أي مبرر واقعي.
الحديث عن البرهان يكشف ازدواجية صارخة: فهو ينكر الإسلاميين في الجيش ويزعم استقلالية قراراته، في حين أن كل أفعاله السابقة تؤكد عكس ذلك. كما قيل: من كذب على الناس مرة فهو عدو لهم، ومن كذب عليهم دائمًا فهو نقيض العدالة. هذا القول المأثور ينطبق حرفيًا على البرهان، الذي جعل الكذب منهجًا مستمرًا في التعامل مع الشعب، مستخدمًا الإعلام والشاشات لإخفاء الحقيقة التي يعرفها كل السودانيين.
على الأرض، يعيش السودان مأزقًا مزدوجًا: فقدت قوات البرهان آخر معاقلها في دارفور، بينما يتقدم الدعم السريع نحو الخرطوم عبر كردفان. كل تصريح ينكر الواقع يزيد مأساة الشعب السوداني، ويكشف هشاشة القيادة السياسية. إنكار البرهان للوجود الإسلامي في الجيش ليس مجرد قول خاطئ، بل محاولة متعمدة لتضليل الشعب وإخفاء الحقيقة، وهو ما يجعل كل حديث صادر عنه محل شك وفجوة بين القول والفعل.
تاريخ البرهان السياسي يؤكد هذا النفاق: عمله كممثل للمؤتمر الوطني وعضويته في هياكل الدولة، وتوليه موقعًا دستوريًا في حكومة وسط دارفور، جميعها مؤشرات على أن دوره مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإسلاميين. إنكار وجودهم اليوم هو محاولة هزلية لتقديم نفسه في صورة محارب للإسلاميين، بينما الواقع يثبت العكس تمامًا. كما يقال: من أنكر الظل في وضح النهار فقد انكشف حقيقته. البرهان يحاول أن يخفي الظل، بينما الضوء يكشفه بلا أي قدرة على الاختفاء.
وبالنظر إلى تصريحاته في قناة العربية الحدث، يتضح أن البرهان يستخدم الأكاذيب كأداة سياسية رئيسية. كل حديث يصدر عنه متناقض مع الآخر، وفج بوضوح مع الحقائق التاريخية والسياسية، وهو ما يجعل أي محاولة لتصديق كلامه أشبه بمحاولة لمس الهواء. كما قال حكيم قديم: الحقيقة مثل الماء، لا يمكن حجبها مهما حاول المرء إخفاءها. كل إنكار يصدر عن البرهان، وكل تصريح متناقض، يثبت هذه الحقيقة على الأرض: النفوذ الإسلامي مستمر، والجيش تحت سيطرته، والقيادة السياسية تكذب على الشعب بلا توقف.
ولا يمكن تجاهل دور مصر في هذا السياق، إذ تتعاون مع الجيش في تثبيت النفوذ العسكري والسياسي للإسلاميين، بما يخالف مصالح الشعب السوداني. هذا التواطؤ يجعل تصريحات البرهان أكثر فجورًا، لأنه لا ينكر وجود الإسلاميين فحسب، بل يخدم مصالح قوى خارجية على حساب شعبه، في نفاق سياسي مزدوج يضر بالوطن.
ختامًا، يمكن القول إن السودان يعيش أزمة مزدوجة: مأساة الحرب المستمرة، وأزمة قيادة تنكر الحقائق وتخفيها عن الشعب. تصريحات البرهان، وخاصة عبر قناة العربية الحدث، تكشف عن شخصية سياسية تمارس النفاق بشكل منهجي، وتحاول إنكار النفوذ الإسلامي الذي يظل حاضرًا داخل الجيش والدولة. وكما يقول الشاعر: قد ينكر الفم طعم الماء من سقم، فإن نفاق البرهان وإنكاره للحقيقة لا يغير الواقع ولا يخفف من مسؤولياته تجاه الشعب السوداني.
السودان اليوم بحاجة إلى قيادة واعية وواقعية تواجه الحقائق بشجاعة وصدق، بعيدًا عن الأكاذيب وإنكار الواقع. استمرار نفاق البرهان وكذبه المستمر يزيد من معاناة الشعب، ويؤكد أن الحل لن يأتي إلا عبر تصحيح المسار السياسي وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة بعيدًا عن النفوذ الإسلامي المستمر.




