
سمية النور دهب.. دبلن
لا تأتي تحذيرات برنامج الغذاء العالمي عن تدهور الأوضاع الإنسانية في إقليم كردفان من فراغ، بل تعبّر عن واقعٍ بالغ القسوة تعيشه مدن الإقليم وقراه مع استمرار القتال واتساع دوائر العزلة المفروضة على المدنيين. فالحرب التي تُدار على الأرض، وتُستكمل في السماء، لم تترك للناس سوى خيارات النزوح أو الجوع أو الاحتماء المؤقت في مساحات باتت هي الأخرى مستهدفة.
التصعيد العسكري الأخير في كادوقلي والدلنج كشف هشاشة الوضع الإنساني بصورة غير مسبوقة. فالمعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع لم تؤدِّ فقط إلى شلل في حركة السكان، بل قطعت شرايين الإمداد الإنساني، وحاصرت آلاف الأسر داخل مدن باتت تفتقر إلى الغذاء والدواء والخدمات الأساسية. ومع سيطرة الدعم السريع وحلفائه على طرق رئيسية، أصبحت القوافل الإغاثية تتحرك في مساحات شديدة الخطورة، أو تتوقف تمامًا.
لكن ما يزيد مأساة كردفان تعقيدًا هو الاستهداف المتكرر للمدنيين والأعيان المدنية عبر القصف الجوي. فطيران الجيش، في سعيه لتحقيق مكاسب عسكرية، ألحق أضرارًا مباشرة بأحياء سكنية وبنى خدمية، مفاقمًا حالة الهلع وسط السكان، ودافعًا بمزيد من الأسر إلى النزوح تحت ظروف بالغة القسوة. هذا القصف لا يدمّر المباني فحسب، بل يهدم ما تبقى من شعور بالأمان، ويحوّل الحياة اليومية إلى انتظار دائم للضربة التالية.
تحذيرات برنامج الغذاء العالمي من اقتراب شبح المجاعة ليست مجرد تقديرات تقنية، بل إنذار أخلاقي وسياسي في آنٍ واحد. فحين يُحرم المدنيون من الوصول إلى الغذاء بسبب القتال، وحين تُغلق الطرق وتُستهدف المناطق السكنية، تصبح المجاعة سلاحًا غير معلن في هذه الحرب. ومع محدودية الموارد وتراجع التمويل، تبدو قدرة المنظمات الإنسانية على الاستمرار مهددة، رغم محاولاتها المتواصلة لإيصال المساعدات حيثما أمكن.
المقلق في المشهد أن معاناة كردفان لا تحظى بالاهتمام الكافي مقارنة بمناطق أخرى، رغم أنها تختصر جوهر الأزمة السودانية: دولة غائبة، وسلاح منفلت، ومدنيون عالقون بين أطراف لا تضع حياتهم ضمن أولوياتها. فغياب الممرات الإنسانية الآمنة، واستمرار القتال بلا أفق سياسي، يعنيان أن الأزمة مرشحة لمزيد من التفاقم، لا للتراجع.
إن ما يجري في كردفان ليس أزمة غذاء فقط، بل أزمة حماية. حماية المدنيين، حماية حقهم في البقاء، وحماية فكرة أن هناك حدًا أخلاقيًا لا يجوز تجاوزه حتى في زمن الحرب. من دون وقف القصف على الأعيان المدنية، وفتح ممرات إنسانية حقيقية، ستظل التحذيرات الأممية تتكرر، بينما تتآكل حياة الناس بصمت، بعيدًا عن ضجيج السياسة وحسابات السلاح.




