رأي

العناق المريب: لماذا تتحد القاهرة والرياض في سردية تُبقي السودان أسير دولة ما بعد الاستعمار؟

نجم الدين دريسة

 

نجم الدين دريسة

من يتأمل الخطاب السياسي الذي يصدر من القاهرة والرياض حول الأزمة السودانية يدرك أن الأمر يتجاوز مجرد توافق دبلوماسي عابر أو تقارب في المواقف؛ ما يبدو للوهلة الأولى تناغمًا طبيعيًا بين دولتين كبيرتين في المنطقة، يتضح عند التدقيق أنه التقاء حسابات عميقة، تتشارك في إنتاج سردية واحدة تُبقي السودان في لحظة معلّقة بين الماضي والحاضر، بين إرث ما بعد الاستعمار وواقع دولة لم تتأسس بعد على أسس صلبة. فالمصطلحات اللامعة عن “الحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية” لا تعبّر عن حياد، بل عن انحياز مُبطّن لمعادلة قديمة صمدت لأنها تخدم مصالح قوى إقليمية أكثر مما تخدم السودان نفسه. ولعلّ أحد الحكماء قال يومًا: “ليست الكلمات ما يخدع الناس، بل ما يُخفى بين سطورها.”

فالقاهرة والرياض تتحدثان بصوتين، لكنهما تحملان رسالة واحدة: ضرورة الإبقاء على المؤسسات القائمة، وكأن المؤسسات السودانية، وعلى رأسها الجيش، كانت نموذجًا للاستقرار أو ركيزة لبناء الدولة. الحقيقة هي العكس. فهذه المؤسسات هي نفسها التي صنعت الأزمة، وهي نفسها التي عجزت عن إدارة البلاد منذ الاستقلال. حديث العاصمتين ليس إذن دفاعًا عن دولة، بل دفاع عن نموذج سلطوي قديم تَعرّض للانكشاف، لكنه ما يزال قادرًا على إنتاج الوهم.

المؤسسة العسكرية تحديدًا تمثل جوهر هذا النموذج. فمنذ نشأتها على يد الإدارة الاستعمارية البريطانية، لم تُبنَ كقوة وطنية مستقلة، بل كأداة لضبط المجال السياسي وحماية مصالح خارجية، سواء كانت بريطانية أو مصرية. كانت وظيفتها الأساسية أن تكون ذراعًا للنفوذ، لا حارسًا للسيادة. لذلك لم يكن غريبًا أن يتحول الجيش، مع مرور الزمن، إلى كيان فوق الدولة، صاحب سلطة سياسية واقتصادية، يمسك بمفاتيح القرار الوطني ويتعامل مع الحكومات المدنية بوصفها “زائرة مؤقتة” لا مالكة حقيقية للسلطة.

وحين تُصرّ القاهرة على أن “استقرار السودان رهين بوجود المؤسسة العسكرية”، فهي تستند إلى تاريخ طويل رأى السودان امتدادًا لمجالها الحيوي، لا دولة قائمة بذاتها. لطالما تعاملت مصر مع السودان باعتباره عمقًا استراتيجيًا لا بد من التأثير في مساره، سواء عبر الوجود العسكري في الحقبة الاستعمارية أو عبر العلاقات المباشرة مع النخب الحاكمة بعد الاستقلال. لم تكن القاهرة، يومًا، مرتاحة لفكرة وجود سلطة مدنية وطنية قوية في الخرطوم، لأن الأخيرة — لو تشكلت بحق — ستكون قادرة على إعادة تشكيل ملف مياه النيل، والتجارة العابرة، وحدود النفوذ الاستراتيجي. ولذلك يبدو حرصها على “استقرار المؤسسات” انعكاسًا لإرادة حماية وضع موروث أكثر من كونه دعوة إلى بناء دولة حديثة.

أما الرياض، فعلى الرغم من اختلاف السياق، فإنها ترتكز على رؤية مشابهة من حيث المآل: الحفاظ على قوة مركزية يمكن التعويل عليها لضبط الإقليم، لا السماح بتفكك السودان أو تحوّله إلى ساحة فوضى. السودان، بما يمثله من شريط جغرافي ممتد على البحر الأحمر، وتقاطعات استراتيجية مع القرن الأفريقي، يمثل في الحسابات السعودية نقطة حساسة لا تحتمل المغامرة. ومن هنا يصبح الجيش — بتركيبته التقليدية — شريكًا مفضلًا لأنه “يمكن فهمه وضبطه”، على حد تعبير مسؤول خليجي سابق. في مثل هذه المعادلات، لا يكون دعم التحول الديمقراطي ولا بناء الدولة المدنية ضمن الأولويات، بل تُقدّم “الواقعية السياسية” على كل شيء، رغم أنها واقعية تُنتج أزمات لا تُنهيها. وقد قيل في التاريخ: “من يخشى الفوضى يختار الطغيان، ومن يختار الطغيان يصنع الفوضى.”

السردية السعودية المصرية إذن ليست حريصة على السودان بقدر ما هي حريصة على استمرار نموذج يمكن التنبؤ به. نموذج لا يُخيف، ولا يهدد، ولا يغيّر قواعد اللعبة. ففي تلك السردية، السودان ليس مشروع دولة جديدة، بل مساحة ينبغي ضبطها، ومجالاً يجب ألا يتمرد على موازين القوى الإقليمية.

لكن الحقيقة التي تتجاهلها هذه السردية أن مؤسسات الدولة السودانية كما ورثها الناس من حقبة الاستعمار ليست صالحة للبقاء، ولا يمكن أن تكون أساسًا لأي استقرار أو بناء. فالدولة التي لا تدير التنوع تُقسّم المجتمع. والجيش الذي يتدخل في السياسة يُعطّل نشوء السلطة المدنية. والمؤسسات التي تنشأ على الولاء لا على القانون تُحوّل الدولة إلى شبكة مصالح لا إلى جهاز وطني. وقد قال أحد الفلاسفة: “الدولة التي تخشى شعبها لا تستحق أن تحكمه.”

لقد أثبت التاريخ السوداني، منذ 1956 حتى اليوم، أن كل دورة سياسية كانت تنتهي في النقطة نفسها: انقلاب عسكري يعِد بالإنقاذ، ثم نظام سلطوي ينهار بثورة شعبية، ثم انتقال هش يُفشل نفسه بسبب بقايا الدولة القديمة. كل ذلك لأن البناء لم يكن يومًا من الأساس، بل فوق الأساس نفسه الذي خلّفه المستعمر.

ومع اشتداد الأزمة منذ 2023، أصبحت السردية الإقليمية تحاول تصوير الجيش بوصفه آخر خطوط الدفاع عن وحدة السودان، متجاهلة أن الوحدة التي تُفرض بالقوة هي في حقيقتها تفكك مُقنّع. الدولة الحديثة لا تُبنى عبر سلطة فوقية، بل عبر عقد اجتماعي جديد يشارك فيه الجميع ويتفقون على قواعد الحكم والحقوق. السودان اليوم ليس بحاجة إلى دعم المؤسسة القديمة، بل إلى دعم إعادة التأسيس.

وهنا يظهر صوت السودانيين أنفسهم، رافضين العودة إلى دولة ما بعد الاستعمار، رافضين أن يكون مستقبلهم ملحقًا بحسابات الآخرين. يريد السودانيون دولة جديدة، بعد أن جرّبوا كل أشكال الحكم القديم وفشلها. يريدون جيشًا وطنيًا يُعاد تشكيله على أسس مهنية واضحة، بعقيدة قتالية تُحَدّد بدقة: حماية الشعب، لا حماية السلطة؛ صون الدستور، لا الانقلاب عليه؛ خدمة الوطن، لا الارتهان للخارج. يريدون مؤسسات دولة تُبنى من الصفر على فكرة العدالة والمساواة، لا على إرث الإقصاء. قال حكيم إفريقي يومًا: “حين يبني الشعب جيشه، يحتمي به الوطن؛ وحين يبني الجيش نفسه، ينهار الوطن.”

السودانيون لا يريدون “استقرارًا زائفًا” تُغطيه جدران قديمة متصدعة. يريدون استقرارًا حقيقيًا يقوم على الحرية، والمواطنة، والعدالة، وحكم القانون. يريدون دولة تُشبه تنوعهم، لا دولة تُعيد إنتاج مركز قديم لا يعترف إلا بنفسه. وعلى القاهرة والرياض إن أرادتا فعلًا شراكة حقيقية أن تعيدا النظر في سرديتهما، وأن تدركا أن السودان ليس تابعًا، وأن بناء المستقبل يتطلب دعم التحول لا تكريس الماضي. ففي النهاية، وكما قال رجل حكيم: “الأوطان لا تُحمى بما تركه المستعمر، بل بما يبنيه الناس بأيديهم.”

إن استمرار هذه السردية الإقليمية سيجعل السودان مرة أخرى ساحة تُدار فيها المصالح من فوق، بينما يدفع الشعب ثمن الصراعات التي ليست صراعاته. أما تغيير السردية، فهو بداية تغيير المصير. فإذا لم يتغير الخطاب، ستبقى البلاد أسيرة نفس الدورة القاتلة التي عانت منها لعقود.

ولهذا كله، فإن السودان يقف اليوم على عتبة لحظة تاريخية، لحظة يمكن فيها أن يولد وطن جديد، لو وجدت الإرادة، وتراجعت الوصايات، وبدأت عملية إعادة تأسيس شاملة. ولعلّ أجمل ما قيل في هذا المعنى: “المستقبل لا يُمنح، بل يُنتزع.” وهذا ما يفعله السودانيون اليوم، رغم كل الألم وكل الدم وكل الخراب؛ إنهم ينتزعون حقهم في أن يكونوا أصحاب القرار، لا موضوعًا له.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!