رأي

كيف يستقيم الظل و العود اعوج 109؟

الصديق المريود

ميلاد التأسيس: دموع على أعتاب السودان الجديد.

اليوم ليس يومًا عابرًا في تقويم السودان، بل هو يوم من أيام الله التي تُسجَّل بمداد النور والدموع والفخر. في قلب مدينة نيالا، عاصمة السلام، ارتفعت الأيادي لتؤدي القسم، وأبصر العالم ولادة السودان الجديد مع ميلاد حكومة تأسيس، حكومة الوحدة والعدالة والمساواة.

المشهد لم يكن مجرد بروتوكول جامد. كان دموعًا تختلط بالزغاريد، وتكبيرات تهز أركان السماء، ووجوهًا أنهكها النزوح والحرب، لكنها أشرقت أخيرًا بوميض الأمل. الرئيس محمد حمدان دقلو، إلى جانبه نائبه عبدالعزيز الحلو، وأعضاء المجلس الرئاسي الخمسة عشر، الذين يضمّون الرئيس ونائبه وحكام الولايات الثمانية وبقية الأعضاء، وقفوا صفًا واحدًا ليعلنوا أن صفحة المائة عام الماضية قد طويت، وأن صفحة جديدة قد كُتبت بمداد العزيمة والدم.

لم يكن ذلك مجرد أداء للقسم، بل كان لحظة ميلاد. إعلانٌ عن دك حصون دولة 1956 التي وُلدت ناقصة وظالمة، وبزوغ دولة تأسيس تقوم على المواطنة والكرامة والمساواة. كان صوت التاريخ يصدح: كفى تهميشًا، كفى إقصاءً، كفى حروبًا. وكان صوت الشعب يردّد مع الشعراء:

“سنغني لهذا الوطن الجريح،
حتى تبرأ جراحه،
وسنزرع في كل قلب وردة،
وفي كل يد سيفًا للعدل والحرية.” — فضيلي جماع

إنها لحظة لا تُشبه غيرها، لحظة أبت فيها دارفور إلا أن تكون مركز التاريخ، وأن تمنح السودان شرف ميلادٍ جديدٍ من رحم المعاناة. في شوارع نيالا، رأيت النساء يزغردن بدموع في العيون، ورأيت الأطفال يلوّحون بأصابعهم الصغيرة نحو الغد، ورأيت الشيوخ يرفعون أكفّهم بالدعاء: “اللهم اجعلها ساعة خلاص.”

الحدث لم يكن محليًا فحسب، بل خطف أنظار العالم بأسره. من نيالا خرج صوت مدوٍّ يقول إن السودان قادر على إعادة تعريف نفسه، على النهوض من الرماد كطائر الفينيق، وعلى أن يمنح أبناءه ما حُرموا منه طويلًا: السلام، العدالة، والمساواة.

ولأن اللحظات الكبرى لا تُقاس بالسياسة وحدها، فقد كانت دموع الأمهات أكثر تعبيرًا من خطابات القادة. كانت الزغاريد أصدق من نشرات الأخبار. كانت عيون الأطفال التي لم تعرف إلا الحرب ترسم في صمتٍ ملامح الغد المختلف.

إنها بداية تأسيس مشروع وطني جامع، مشروع لا يعرف مركزًا يبتلع الهامش، ولا طائفة تستأثر بالسلطة، بل وطنًا تتساوى فيه الولايات، ويُبنى على الاعتراف بالآخر، على تنوّع الأديان والثقافات والإثنيات. إنه عهدٌ جديد، كأن المتنبي قد كتبه ببيته الخالد:

إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ
فلا تقنعْ بمـا دون النجـومِ

هكذا ارتفعت النجوم فوق نيالا، كأنها تُعلن للسودان والعالم: إن هذه الأرض تستحق حياة جديدة. كما قال محمود درويش: “على هذه الأرض ما يستحق الحياة.” والسودان اليوم يقول: على هذه الأرض ما يستحق التأسيس.

ومثلما خرج الإمام المهدي قبل قرن ونيف ليعلن ثورة على الظلم، يخرج اليوم التأسيس ليعلن ثورة من نوع آخر: ثورة على دولة الوراثة والمحاصصة والفساد. إنها ليست ثورة بندقية، بل ثورة دستور ومواطنة وعدالة. وبين لحظة المهدي ولحظة التأسيس يظل الخيط واحدًا: خيط التوق إلى الحرية.

الطريق أمام حكومة التأسيس طويل، والرهانات ثقيلة، لكن لحظة الميلاد نفسها تبعث رسالة أمل: أنّ المستحيل يمكن أن يُهزم، وأن جدار الدم والخذلان يمكن أن يتهاوى أمام إرادة الحياة. وكما يقول المثل السوداني: “الضُل الوقف ما بعود، لكن شمس بكرة بتشرق.” واليوم أشرقت شمس بكرة في سماء نيالا.

لقد انتهى زمن التلاعب بأحلام الشعب، وجاء زمن الدولة التي لا تُقصي أحدًا، ولا تُهمّش إقليمًا، ولا تُهدر فيها دماء. إنها بداية عهد لا مكان فيه إلا للكفاءة والمواطنة والمحاسبة. لقد تلاقت دموع الأمهات مع دعاء الشيوخ، وتلاقت أصوات الشباب مع أنين الجرحى، لتقول جميعها: التأسيس هو قدرنا الأخير.

سيكتب التاريخ أن هذه اللحظة لم تكن لحظة عادية، بل كانت لحظة بكاء وفرح في آن واحد، لحظة تختصر آلام الماضي وآمال المستقبل، لحظة أعلن فيها السودان أنه لا يزال حيًا، وأنه قادر على النهوض.

وكأن أدونيس يخاطب السودان في هذه اللحظة:
“أيها الوطن الممتلئ بالغياب،
أيها الوطن الممتلئ بالانتظار،
ها أنت تولد من جديد،
كأنك المرة الأولى.”

إنها لحظة فاصلة، أشبه بولادة عسيرة تنفّست بعدها الأرض، وتنفس معها التاريخ. وها هو السودان يطلّ على العالم بوجه جديد، بوجه التأسيس، بوجه الوحدة والسلام.

عاش السودان وطنًا للعدل، وطنًا للسلام، وطنًا للحرية.
وعاشت حكومة تأسيس ملحمة الميلاد الجديد

* اريزونا الولايات المتحدة الامريكية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!