رأي

سودان ما بعد الانقسام: جذور الأزمة الوطنية ومسارات الخلاص الممكن

د.يعقوب عبد الشافع .. رئيس حركة الإصلاح والتجديد

 

د.يعقوب آدم عبد الشافع 

تُعدّ الأزمة السودانية، في عمقها، واحدة من أعقد الأزمات التاريخية التي تراكمت عبر قرون من التحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية. فالسودان لم يعش أزمته الراهنة وليدة اللحظة، بل ورث منظومات من النفوذ والسلطة تشكلت بفعل التاريخ الاستعماري وما سبقه من هجرات روحية وسياسية وممارسات سلطوية أعادت تشكيل المجتمع وفق هرم مختلّ، تركزت فيه السلطة والثروة والمعرفة في يد فئات محدودة لعبت دور “وكلاء السلطة الخارجية” على حساب المكوّن الأصلي للسكان والهوية الوطنية الجامعة.

خلال القرون الماضية، دخلت السودان تيارات دينية وروحية متعددة؛ الصوفية، الطرق المرغنية، التيار المهدوي، والسلفية، وكلها جاءت في سياقات مختلفة، بعضها كان تعبيراً عن روحانية شعبية، وبعضها جاء مرتبطاً بأنظمة حكم خارجية كانت تسعى لبسط نفوذها عبر الدين والرمزية الروحية. ومع مرور الزمن، تحوّلت هذه القوى إلى ركائز اجتماعية لها امتدادات سياسية واقتصادية، واستُخدمت أحياناً لتبرير السلطة أو تعزيز شرعية نظم الحكم.

ومع دخول العهد التركي–المصري ثم الحقبة الاستعمارية، تطورت طبقة اجتماعية واقتصادية لعبت دور الوسيط المحلي بين السلطة الأجنبية والمجتمع السوداني. هذه الفئة تحوّلت تدريجياً إلى مركز نفوذ سياسي واقتصادي وإداري، واستمرت في إدارة الدولة بعد الاستقلال، الأمر الذي خلق فجوة عميقة بين “مركز النفوذ” وبين المجتمعات المحلية في الأطراف، التي تمثل غالبية السكان. هذه الفجوة لم تكن مجرد اقتصادية أو إدارية، بل كانت ثقافية ومعرفية وهوياتية، انعكست في احتكار موارد الدولة، وتشكيل خطاب سياسي موجه، وسيطرة على مفاصل الإعلام والخدمة المدنية والقوات النظامية.

هذا الخلل البنيوي جعل المواطن الأصلي في الأقاليم—الذي يمثل الجذور التاريخية والحضارية للسودان—في موقع التابع داخل دولة من المفترض أن تبنى على مبدأ المواطنة المتساوية. فنتج عن ذلك تهميش واسع، وإقصاء سياسي، وتراجع تمثيل الأطراف في مؤسسات الدولة، وانهيار الثقة بين المركز والمجتمعات المحلية، مما خلق قابلية دائمة للاضطراب والصراع.

كما أسهمت الأحزاب الوافدة ذات الأيديولوجيات المستوردة—من قومية عربية، وإسلاموية، ويسارية، وغيرها—في إعادة تدوير الأزمة عبر نقل صراعات الدول الأخرى إلى الداخل السوداني، دون مراعاة للتنوع السوداني أو أولويات المجتمع. ومع ابتعاد هذه النخب عن الواقع الاجتماعي، ظل المواطن العادي وقوداً لصراعات سياسية لا تعبر عنه، بل يتم استخدامه عبر الولاءات التقليدية والانتماءات الحزبية التي لا تمنحه تمثيلاً حقيقياً.

اليوم، يتضح أن جذور الأزمة السودانية تكمن في خمسة مسارات مترابطة:

هيمنة فئات محدودة على السلطة والثروة، مركزية خانقة تجاه الهامش، تهميش ثقافي وهوياتي، احتكار للقرار السياسي، وانعزال مؤسسات الدولة عن الأغلبية السكانية.

ومن هنا تبرز أولويات الحل الوطني، التي يجب أن تقوم على إعادة تأسيس الدولة على عقد اجتماعي جديد ينطلق من المبادئ الآتية:

أولاً، بناء دولة المواطنة المتساوية، التي يكون أساسها الحقوق والواجبات، لا الانحدار العرقي أو الانتماء الجهوي أو الولاء الطائفي. ولا يتحقق ذلك دون مراجعة شاملة لآليات توزيع السلطة وتمثيل الأقاليم في مؤسسات الحكم.

ثانياً، إعادة هيكلة الخدمة المدنية والقوات النظامية لضمان مهنية حقيقية وتوازن جغرافي عادل يضمن مشاركة كل السودانيين في المؤسسات السيادية دون إقصاء أو تمييز.

ثالثاً، اعتماد نظام لامركزي فعّال يمنح الأقاليم صلاحيات واسعة لإدارة مواردها وتخطيط تنميتها، بما يضمن إنهاء سيطرة المركز على الاقتصاد ويوزع التنمية بصورة عادلة.

رابعاً، الاعتراف بالتنوع الثقافي واللغوي والديني للسودان بوصفه ثروة وطنية وليس مصدر تهديد. ويتطلب ذلك وضع سياسات ثقافية وتعليمية تعزز التعدد لا التنميط.

خامساً، تحرير العمل السياسي من قبضة الولاءات التقليدية والارتباطات العابرة للحدود، وإتاحة المجال لقيادات محلية شابة تعبر عن مجتمعاتها، وتتقدم برؤى جديدة قادرة على تجاوز إرث الأيديولوجيات المستوردة.

سادساً، محاسبة كل من تورط في جرائم وانتهاكات وفساد، عبر عدالة انتقالية حقيقية تعيد ثقة المجتمع في الدولة، وتضمن عدم الإفلات من العقاب.

إن السودان قادر على تجاوز أزمته، لكنه يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بالأخطاء التاريخية، وتفكيك بنية السيطرة التي تشكلت عبر قرون، وبناء دولة ترتكز على المساواة لا الامتياز، وعلى الشراكة لا الاحتكار، وعلى المواطنة لا الوساطة.

فالحل الحقيقي لا يكمن في إعادة إنتاج ذات النخب، ولا في انتظار حلول خارجية، بل في مشروع وطني يستند إلى الأغلبية السكانية، ويؤسس لعقد اجتماعي جديد ينهي الاستغلال ويعيد السلطة إلى الشعب صاحب الأرض والتاريخ.

بهذا وحده يمكن للسودان أن ينتقل من دولة مأزومة إلى دولة عادلة، ومن تاريخ يكرر نفسه إلى مستقبل يصنعه جميع السودانيين دون استثناء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!