
حافظ إبراهيم.. واشنطن
الفاشر ليست مجرد مدينة خرجت من دائرة الحرب، بل هي شاهد حيّ على أن الإرادة الجمعية قادرة على إسقاط أكثر المشاريع توحشاً حين تنهض الشعوب بوعيها. ما جرى هناك لم يكن مجرد تحول ميداني، ولا واقعة عابرة في مسار الصراع، بل إعلان عن نهاية مرحلة حاولت قوى الفساد والاستبداد أن تفرض فيها واقعاً بالقوة، فإذا بالمدينة تردّ بالسلوك والوعي لا بالسلاح وحده.
لقد أرادت بعض القوى أن تجعل من الفاشر نموذجاً للخضوع، فإذا بها تتحول إلى نموذج للمقاومة المدنية والاجتماعية والسياسية. ففي قلب دارفور، خرج الناس ليؤكدوا أن المدن لا تُدار بالقهر، وأن الوجدان الجمعي أقوى من الضجيج العسكري وأعمق من الدعاية التي حاولت تزوير الحقائق وتصوير العنف على أنه قدرٌ لا يُرد.
وما برز في الفاشر لم يكن انتصاراً لطرف على آخر بقدر ما كان انتصاراً لقيمة: قيمة الكرامة الجماعية. فقد انهار مشروعٌ كامل كان يقوم على الإخضاع، وتكشّف زيفه أمام يقظة الناس ووعيهم. لم تعد الشعارات قادرة على إخفاء واقع الخراب، ولم تعد المزايدات قادرة على تغطية جرائم طالما عانى منها المدنيون. وحين ينهار الخطاب، ينهار معه المشروع، مهما بدا مسلحاً وقوياً.
عودة سكان الفاشر إلى حياتهم ليست حدثاً فنياً أو تحركاً تلقائياً، بل هي فعل سياسي بحد ذاته. كل خطوة نحو البيوت، كل متجر يُفتح، كل مدرسة تُعد لاستقبال الطلاب، هو إعلان بأن روح المدينة لم تُهزم، وأن الحرب مهما طالت لا تستطيع أن تنتزع من الناس حقهم في الحياة الطبيعية. لقد انقشع دخان المعارك، وبقي صوت المدينة يصدح بأن المستقبل يُبنى بالإرادة لا بالسلاح.
إن الفاشر اليوم تحمل معنىً آخر: إنها شهادة على سقوط الرهان على الفوضى. لقد تهاوت تلك الرؤية التي حاولت أن تجعل من السلاح أداة لحكم البلاد، وانكشف عجزها في أول اختبار شعبي حقيقي. فالناس الذين واجهوا الخوف بالصبر، والدمار بالتماسك، هم الذين أعادوا رسم حدود القوة ومعنى الشرعية. الشرعية، كما قالت الفاشر، ليست في فوهة البنادق، بل في القبول الشعبي ومشروعية السلوك.
وإذا كان تحرير المدينة محطة مهمة، فإن مسؤولية ما بعدها أهم. فالأمم لا تُقاس بلحظات الانتصار، بل بما تفعله بهذه اللحظات. والفرصة التي تقف اليوم أمام قوى التأسيس ليست عادية؛ هي فرصة لتقديم نموذج حكم يقوم على المشاركة والتوافق وسيادة القانون، نموذج يترجم معاني الحرية إلى مؤسسات، ويحول آلام الحرب إلى رؤية واضحة لبناء الدولة.
نجاح تجربة الفاشر قد يشكل نقطة تحول في كامل المشهد السوداني. فإما أن تُبنى على أسس تشاركية تفتح الباب أمام سلام دائم، أو تُهدر في صراعات هامشية وصنائع سياسية صغيرة تعيد البلاد إلى الدوامة ذاتها. ولذلك فإن ما يحدث في المدينة اليوم هو في جوهره تأسيس لسودان جديد، تُحدد ملامحه إرادة الناس لا مشاريع الهيمنة ولا حسابات القوة التقليدية.
الفاشر، بهذا المعنى، لم تعد مجرد مدينة استعادت أنفاسها، بل صارت رمزاً لوعي جمعي يرفض العودة إلى الوراء. لقد كشفت أن ذاكرة الشعوب أقوى من حملات التضليل، وأن المدن حين تنهض بعزم سكانها تصبح عصية على مشاريع الدمار مهما عظمت.
وهكذا، فإن الرسالة التي خرجت من دارفور تُلخص المشهد كله: السلام هو مصدر الشرعية، والحكم الذي لا يستند إلى إرادة الناس مصيره السقوط مهما طال الزمن. ومن يصنع الحرب سيُهزم—لا فقط بالسلاح، بل بحقيقة أن الشعوب لا تُهزم حين تؤمن بحقها في حياة كريمة.
واشنطن ٧ ديسمبر ٢٠٢٥م




