رأي

سلطة بورتسودان .. شقوق في جدار من ورق!

علي احمد

 

علي أحمد

لو شاء جورج برنارد شو أن يمدّ قلمه نحونا اليوم، لربما حيّا سلطة بورتسودان قائلاً: “شكراً لهذا العرض السياسي الذي يفوق المسرح العبثي خيالاً.” فمشهد رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس وهو يتجاوز وزير إعلامه خالد الأعيسر ليتصل مباشرة بالإعلامية لينا يعقوب يشبه أن يقرر قبطان سفينة منهارة مخاطبة طائر فوق الصارية بدلاً من طاقمه. المفارقة ذاتها، مع اختلاف نوع الريش.

الأعيسر، الذي قضى أشهراً يعظنا عن المؤسسية، وجد نفسه مضطراً لتذكير رئيسه بها. في سلطة بورتسودان، المؤسسية مفهوم متعدد الأوجه: مرة قانون، ومرة مزاج، ومرة رسالة هاتفية، ومرة “اتصال ودي” ينسف كل شيء. وما دامت القيادة العسكرية والدوائر الكيزانية هي المايسترو، فعلى الوزراء العزف بالآلات المعطوبة ورفع الصوت بأن “الأداء ممتاز”.

أما رئيس الوزراء، فقد ابتدع نوعاً جديداً من البروتوكول: الدبلوماسية الهاتفية. ولنتخيل لو استمرت هذه القاعدة  أنه قد يتصل لاحقاً بحارس البوابة ليطالبه بتعديل طريقة الوقوف احتراماً لمقام الدولة.

القضية كلها  إدريس، الأعيسر، يعقوب  لا علاقة لها بحرية إعلام ولا بإصلاح مؤسسي، بل بصراع داخلي محموم داخل سلطة بورتسودان حول من يثبت أنه صاحب القرار الأعلى. سلطة بلا قرار، وبلا مركز، وبلا دولة تقريباً. مجرد فرقة مسرحية تتشاجر على من يحتفظ بالكرسي البلاستيكي الوحيد على الخشبة.

ولِمَ نلومهم؟ فهذه ليست الواقعة الأولى. لدينا وزراء يعلنون سياسات اقتصادية تُلغى قبل أن تصل للجرائد، وخارجية تصدر بياناً ثم تتلقى أمراً عاجلاً بسحبه لأن “الجملة الثالثة غير مناسبة”، ولجان تُكوَّن وتُحلّ وتعود وتُلغى أربع مرات في أسبوع واحد. كل ذلك لأن الجنرال الفلاني يريد “فريقه”، والكيزاني العلاّني يريد “حصته”، فيما البلد الحقيقي مشغول بالاحتراق والجوع والنزوح.

هذه هي سلطة بورتسودان: مجموعة تعتبر الدولة كيكة عيد ميلاد. كل طرف يريد القطعة الأكبر، والنتيجة أن الطاولة مقلوبة والكيكة على الأرض، بينما الجمهور يضحك للحظة… ثم يبكي طويلاً.

ومن أعجب مفارقات هذه السلطة أنها تواصل الحديث عن “احترام القانون”. أي قانون؟ قانون تبخّر القرارات؟ قانون “ارفع البيان… القائد غاضب”؟ أم قانون “نعتذر، القرار تم إلغاؤه قبل صدوره”؟

في النهاية، ما جرى بين إدريس والأعيسر ليس خلافاً سياسياً، بل فصل جديد من مسرح العبث. تناقضات تقول للقارئ بوضوح:

مرحباً بكم في سلطة بورتسودان… هنا نصنع الفوضى ونمنحها ربطة عنق.

ولعل شو لو شاهد هذا كله  لا يحتاج لأكثر من جملة واحدة:

“إنهم لا يديرون دولة… إنهم يديرون نكتة يتعاركون حول حق روايتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!