
التنوير متابعات
في استضافة له على قناة الشرق، ظهر عطاف محمد مختار، رئيس تحرير صحيفة “السوداني”، ليكرر ما يمكن وصفه بخطاب البرهان الإعلامي، محاولة منه لتزييف الحقائق وفصل الإخوان المحليين عن التنظيم العالمي، بينما الواقع يكشف استمرار النفوذ الإخواني داخل الجيش وتأثيره المباشر على القرار العسكري. تصريحات مختار لم تكن مجرد تحليلات، بل نسخة مكررة من أكاذيب قائد الجيش نفسه، ما دفع المحللين إلى وصف حديثه بأنه “مثير للغثيان” ويزيد من تشويش المشهد السياسي السوداني. حديثه جاء وكأنه يروج لفكرة أن الجيش مؤسسة محايدة، بعيدًا عن أي ولاءات حزبية أو دينية، وهو ما يتناقض تمامًا مع التاريخ الطويل للجيش في قمع الشعب السوداني، حيث تظل قواته مرتبطة بسياسات الإقصاء والبطش بالعامة، ودفاع أي إعلامي عنه يُعد وقوفًا مع الجلاد ضد الضحية.
المحلل السياسي عبد الرحمن أبو رندة شدّد على أن علاقة بعض قيادات الجيش بعدد من قادة الإخوان العالميين “حقيقة دامغة”، وأن أي إنكار إعلامي لا يغير شيئًا من واقع السيطرة والإقصاء الذي تمارسه هذه الجماعات داخل المؤسسة العسكرية. النفوذ الإخواني في الجيش أصبح أحد أهم عوامل استمرار الأزمة في السودان، فالأجندات المزدوجة بين الداخل والخارج تمنح قيادات الجيش القدرة على توجيه القرار العسكري بما يخدم مصالح محددة بعيدًا عن المصلحة الوطنية.
النتيجة كانت نزاعات مسلحة متكررة، ودمار للبنية التحتية، وانقسامات عميقة بين الجيش والقوى المدنية، بينما المدنيون يدفعون الثمن الأكبر. كل عملية عسكرية تُخاض، سواء في دارفور أو الخرطوم أو كردفان، تثبت استمرار الجيش في ممارسة العنف ضد المدنيين وتحويل المؤسسة العسكرية إلى أداة صراع داخلي، لا دفاع عن الوطن، وهكذا يصبح أي حديث عن حماية الدولة والدستور مجرد شعارات فارغة حين تتقاطع الولاءات الشخصية مع واجب حماية المواطنين.
المدنيون هم الضحايا الرئيسيون لهذا النظام المزدوج الولاءات، فالحصار، والتهجير القسري، والقصف العشوائي، واستهداف المدارس والمستشفيات والأسواق والمزارع يمثل جزءًا من سياسة العنف المستمرة، ويضاف إليها التحريض على الكراهية والعنصرية الذي يروّج له بعض المنابر الإعلامية الرسمية وشبه الرسمية، مما أسهم في تفكيك النسيج الاجتماعي وخلق اصطفافات خطيرة داخل المجتمع. حديث عطاف كشف الدور المركزي للإعلام في تضليل الرأي العام، فقد حاول تصوير الجيش كمؤسسة محايدة وتقليل حجم نفوذ الإخوان، وهو ما يندرج ضمن استراتيجية أوسع لإخفاء المسؤولية عن استمرار الأزمة، إذ أصبح الإعلام أداة ضغط لتبرير الإقصاء والسيطرة وتحويل الانقسامات والصراعات الداخلية إلى مسرحية، بينما يدفع المواطن العادي الثمن الأكبر.
وفق رؤية الكاتبة الصحفية إيمان التجاني، الحل لا يكمن في إعادة بناء الجيش الحالي الملوث بالسياسات الإقصائية والنفوذ الحزبي والديني، بل في تأسيس جيش جديد يقوم على أسس وطنية واضحة، مستقل تمامًا عن أي ولاءات خارجية أو داخلية، وجعله مؤسسة حامية للشعب والدولة وفق القانون والديمقراطية، وليس أداة لاستمرار الصراعات الداخلية أو القمع المنهجي للمواطنين. إلى أن يتحقق ذلك، سيظل الحديث عن الديمقراطية والسلام مجرد شعارات جوفاء، وسيستمر الشعب السوداني في دفع كلفة عدم محاسبة الجلادين، بينما بعض الإعلاميين، مثل عطاف محمد مختار، يواصلون تكرار خطاب التضليل، داعمين مشروع الجيش الحالي كأنه حامي للوطن، في حين هو نفسه آلة قمع وإرهاب.




