
إيمان التجاني
أضحى الواقع في السودان واضحًا للغاية: الجيش لم يعد مؤسسة مستقلة تستطيع اتخاذ قراراتها وفق مصلحة الوطن، بل صار مختطفًا بالكامل من قبل جماعة إيديولوجية تتحكم في كل تحركاته، وتوجه قراراته بما يخدم مصالحها السياسية الخاصة، بغض النظر عن الثمن الذي يدفعه الشعب أو الأضرار التي تلحق بمؤسسات الدولة. فالقائد العسكري أصبح في كثير من الأحيان مجرد واجهة تُستغل لإضفاء شرعية على قرارات لا يملك السلطة الفعلية في صياغتها.
وقد تجلّى هذا الاختطاف بوضوح في كل منابر التفاوض الإقليمية والدولية، حيث يظهر القائد وكأنه يرفض أو يوافق على المبادرات وفق ما يمليه عليه من خلف الستار، وليس بناءً على تقييم موضوعي للمخاطر الوطنية أو أولويات الشعب. فكل محاولة لإطلاق هدنة أو وقف إطلاق نار إنساني تواجه بتشكيك أو تحجيم، وغالبًا ما تُصاحب بمحاولات خلق مبادرات وهمية لتضليل الوسطاء، ما يدل على أن الهدف ليس السلام وإنما الحفاظ على هيمنة الجماعة على القرار العسكري.
هذا الواقع يجعل من الجيش أداة سياسية بامتياز، لا قوة وطنية مستقلة. فليس هناك مساحة لاتخاذ قرارات حقيقية على أساس مصالح البلاد، ولا قدرة على تقييم المخاطر، بل كل تحرك يرتبط بحسابات الجماعة وأهدافها الإيديولوجية. ومن هنا يظهر أن أي حديث عن دور الجيش في حماية المدنيين أو تأمين المناطق يبقى شكليًا، إذ أن القرارات الفعلية تُصنع في مكان آخر وتُفرض على القيادة العسكرية.
كما ينعكس هذا الاختطاف على المفاوضات الدولية، حيث تتحول الاجتماعات والمؤتمرات إلى مسرحيات سياسية، تتغير فيها المواقف وفق ما تريد الجماعة، وليس وفق الواقع على الأرض أو الحاجة الإنسانية العاجلة. وهذا ما جعل أي جهود حقيقية لإنهاء النزاع أو الحد من الكارثة الإنسانية تصطدم دائمًا بعقبات متعمدة.
إن الجيش المختطف لم يعد قوة وطنية قادرة على حماية السودان، بل أصبح أداة بيد جماعة تسعى لاستمرار الحرب من أجل مشروعها السياسي الخاص. والسودان لن ينعم بالسلام أو الاستقرار ما دام القرار العسكري رهينة بالكامل لهذه الهيمنة، وما دام الجيش يتحرك وفق أجندة خارجية عن المصلحة الوطنية، غير مبالٍ بثمن الدماء والمعاناة التي تدفعها الشعوب يوميًا.



