
أبو عبد الله الراشدي
يظلّ التراث الثقافي أحد أعمدة الهوية الوطنية وأقواها تأثيرًا، فهو الذاكرة التي تحفظ الشعوب وتمنحها القدرة على الثبات في وجه العواصف. وفي هذا السياق، جاء مهرجان التراث الثقافي لأبناء المسيرية في أوغندا كاحتفال استثنائي أعاد للوجدان السوداني شيئًا من ألقه القديم، وذكّر الجميع بأن جذور هذا الشعب أعمق من كل ما مرّ به من محن ومواجع. وقد قلتُ مرارًا: «ما صان الناسُ أرضَهم إلّا حين عرفوا قيمة جذورهم»، وهذا هو المعنى الأصدق الذي حمله المهرجان.
لقد قدّمت قبيلة المسيرية—وهي إحدى أكبر القبائل العربية في غرب السودان وأكثرها تماسكًا وتنوعًا—لوحة ثقافية وإنسانية تجسّد قدرة المجتمع على التعايش رغم اختلافاته. فبحكم الامتداد الواسع للقبيلة وتداخلها مع عشرات المكونات الأخرى، تشكّل لديها إرث طويل من إدارة العلاقات، وحل النزاعات، وحفظ السلم الأهلي. وقد ظلت المسيرية عبر التاريخ حلقة وصل بين المجتمعات السودانية، تمتد جذورها في الأرض بقدر ما تمتد قيمها في النفوس.
وفي مشاهد المهرجان، ارتفعت أصوات النقارة واختلطت إيقاعات المردوم وأم كيكي وأم بربري لتعيد للذاكرة صور الفلوات القديمة، حيث كانت الثقافة وسيلة لتأكيد الانتماء وترسيخ الروابط. وقد عبّرت هذه العروض عن هوية فريدة تجمع بين العروبة والإفريقية، وتمنح التراث جماله وتميّزه. وهنا يستعاد قول مأثور نردده: «الثقافة التي لا تتصالح مع اختلافها تضعف، والتي تفقد أصلها تضمحل، أما التي تجمع بينهما فهي التي تبقى».
وللمسيرية تاريخ طويل في بناء السودان الاجتماعي والسياسي. فقد شارك أبناؤها في فتح الطرق وتأمين مسارات التجارة، وأسهموا في حماية المجتمعات وتأسيس علاقات متوازنة بين القبائل. كما شكّلوا رافعة اقتصادية مهمة بدورهم في الثروة الحيوانية وحركة الرُحّل. وكل هذه الأدوار جعلت القبيلة أحد الأعمدة الرافدة لتكوين الهوية السودانية الجامعة.
إن المهرجان، بما شهده من حضور واسع، لم يكن مجرد ليلة من الفنون أو استعراضًا فولكلوريًا، بل كان رسالة قوية في زمن تشرذمت فيه البلاد بسبب الصراع السياسي. رسالة تؤكد أن الثقافة لا تزال قادرة على جمع ما فرّقته السياسة، وأن العودة للجذور يمكن أن تكون الطريق الأقصر نحو المصالحة الوطنية. وقد قلت في إحدى الحكم: «حين يختصم الناس تنطفئ القلوب، وحين يعودون لتراثهم توقدهم الذكريات».
إن ما قدمه أبناء المسيرية في أوغندا ليس مجرد احتفال، بل خطوة في طريق طويل نحو استعادة روح السودان، وإحياء الوجدان المشترك، وبناء جيل يدرك أن القوة الحقيقية للأمة تكمن في التعدد والتنوع والاعتزاز بالذات. فالتراث ليس بقايا ماضٍ، بل نور حاضر ودليل مستقبل، وما فعلته المسيرية في هذا المهرجان هو إعادة إشعال ذلك النور ليضيء طريق السودان الجريح نحو غد أكثر اتساعًا وطمأنينة.




