رأي

حين تنتصر الإنسانية على ذاكرة الألم: جنوب السودان تُعيد تعريف معنى الجوار

يعقوب التجاني .. المحامي

 

يعقوب التجاني ..  المحامي

لا شيء يكشف جوهر الدول كما تكشفه لحظات الانهيار. وبينما يتابع السودانيون التحولات المتسارعة في البلاد، برزت على السطح ظاهرة لافتة: تراجع نفوذ الجيش المرتبط بالحركة الإسلامية وتفكك حامياته في مناطق كانت تمثل عموده الاستراتيجي، من الفاشر إلى بابنوسة، وصولًا إلى منطقة هجليج. هذه المواقع لم تكن مجرد نقاط عسكرية؛ بل كانت رمزًا لنفوذ طويل تشكّل على حساب المجتمعات المحلية التي دفعت الثمن من تنميتها وخدماتها وحقوقها الأساسية.

لقد ظلّت عائدات النفط تُستنزف عبر شبكات ضيقة لصالح قيادات الحركة الإسلامية، بينما كان سكان جنوب وغرب كردفان – أصحاب الأرض والحق – يواجهون التهميش وغياب الخدمات الأساسية، بل كانوا يحاسَبون بقوانين استثنائية حوّلتهم إلى مواطنين من درجة أدنى. ولأن الظلم، كما يقول المثل، “إن طال زمانه، قصرت أيامه”، فقد وصلت اللحظة التي انكشفت فيها هشاشة هذا البناء السياسي والعسكري.

ومع انسحاب تلك القوات باتجاه دولة جنوب السودان، تجددت ذاكرة الحرب الطويلة التي عانى فيها الجنوبيون من انتهاكات قاسية ارتكبتها تلك القوات نفسها خلال سنوات الصراع. كان المتوقع، وفق منطق الثأر التاريخي، أن يجدوا صدًا أو رفضًا، لكن دولة جنوب السودان قدّمت درسًا نادرًا في الأخلاق السياسية؛ إذ استقبلت الفارين ووفرت لهم الحماية، متجاوزة إرثًا من الألم لم يندمل بعد.

هذا الموقف لم يكن مجرد تصرف دبلوماسي؛ بل كان إعلانًا بأن الدولة الحديثة لا تُبنى على ردود الفعل، بل على المبادئ. لقد أرادت جوبا أن تقول إنها تتجاوز مرحلة “الماضي الذي يشدّ الأطراف إلى الخلف”، وتفتح بابًا لفكرة جديدة في الإقليم: فكرة أن الإنسانية أعلى من الجروح، وأن السيادة لا تعني الانتقام، وأن المستقبل لا يُصنع إلا عندما يقرر القادة أن يدفنوا حروب الأمس.

إن ما قامت به حكومة جنوب السودان، بقيادة الرئيس سلفا كير ميارديت، أعاد تذكير المنطقة كلها بأن الأخلاق السياسية ليست رفاهية، بل قوة ناعمة تصنع الاستقرار وتمنح الدول وزنًا معنويًا كبيرًا. لقد أثبتت هذه الخطوة أن الإنسانية حين تنتصر، ترسم طرقًا جديدة للتعايش، وتمنح الشعوب فرصة للنظر إلى الأمام بدل البقاء أسرى لدورات لا تنتهي من العنف المتبادل.

وهكذا، لم يكن الحدث مجرد لجوءٍ عادي، بل كان مرآة عاكسة لمرحلة جديدة في المنطقة؛ مرحلة تتراجع فيها لغة الحرب، وتنهض فيها قيم العدالة والتعافي، في وقت يحتاج فيه السودان  أكثر من أي وقت مضى  إلى نماذج تُذكّره بأن بناء المستقبل يبدأ دائمًا من القدرة على تجاوز الماضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!