رأي

مشروع “تأسيس”: وهم البناء على رمال متحركة وبذرة الانهيار العميق

صديق أندر

 

صديق أندر

في المشهد السياسي السوداني، لا يكمن الخطر الأكبر في الفشل المعلن بوضوح، بل في ذلك الفشل المتخفي وراء شعارات براقة وخطابات “تأسيس” تبدو واعدة، بينما الواقع يكشف عن بناء هش على أسس لم تُرَسخ بعد. هذا هو جوهر مأساة مشروع “تأسيس” اليوم، والذي يمكن وصفه بأنه ولد( طراح) شبه ميتًا، لا يتنفس إلا عبر “أنابيب التوافق” وبدا يحبو بـ”محاليق الترضيات” الجهوية والعرقية والشلليه.

التأسيس الغائب والفجوة بين الطموح والواقع

لقد اعتاد السودانيون على رؤية “دساتير” و”وثائق” براقه تُرفع في المحافل، لكنها تُهمش وتبعد في دهاليز السلطة.و مشروع “تأسيس” ليس استثناءً، بل استمرار لهذه الدورة. فالدساتير والوثائق تبقى حبرًا على ورق ما لم تُترجم إلى مؤسسات حقيقية تعمل بمنطق القانون لا الولاء. إن “حكومة الوحدة والسلام” المعلنة حاليًا، ورغم ادعائها بالإنجاز، تبدو وكأنها تعيد إنتاج ذات العقلية التي دمرت السودان: عقلية “تقاسم الغنائم” و”التمكين بالانتماء” و”الترضية بالمحاصصة”. فالتأسيس الحقيقي لا يبدأ بالمناصب، بل بسؤال جوهري: هل هناك إرادة حقيقية لقطع مع الماضي الاليم، أم أن “التأسيس” مجرد قناع جديد كاذب لمحتوى قديم فاسد؟

بذور الفشل هو استنساخ الماضي في ثوب جديد قشيف ومن نافلة القول ان كل مشروع يدعي التجديد ثم يعود لأدوات الأزمة ذاتها يزرع بذور فشله بين برديه ويتجلى هذا بوضوح في “تأسيس” عبر عدة محاور:

1. إعادة تدوير الوجوه القديمة (الكيزان) فهناك شخصيات كانت جزءًا من الأزمة السودانية تعود اليوم تحت مسميات “التوافق” و”الخبرة”والثقة،والحيازة وكأن السودان عقيم عن إنتاج كفاءات جديدة، أو كأن التاريخ لم يثبت فشل هذه “الخبرات”البالونية.

2. تحويل الكفاءة إلى تابع للولاء فالمنصب لم يعد يُمنح للأكفأ، بل للأقرب لمراكز النفوذ، والأكثر “تسهيلاً” للمصالح، والأكثر خضوعًا لمنطق “الأنبياء الستة” الذين يهندسون الترشيحات.

3. تهميش الثوار الحقيقيين ومن قدموا تضحيات الجسام ودفعوا أثمان المواقف المبدئية ويجدون أنفسهم اليوم على “هامش الهامش”، بينما يتقدم من لم يغير ولاءاته القديمة إلا تمويهًا وتضليلا وتغبيشا للوعى.

هذه ليست أخطاء إدارية عابرة، بل بنية فكرية تعيد إنتاج الفشل من جذوره، وتُغطى بخطابات “السلام” و”الوحدة” لتجعل السؤال عنها “ممنوعًا” والاعتراض عليها “خروجًا على التوافق” وكانه كفر بواح.

القداسة الزائفة فعندما يتحول التأسيس إلى صنم يعبد في وضح النهار فان أخطر أعراض هذا الفشل محاولة تحويل “تأسيس” أو بعض رموزه إلى “قداسة او كهنوت” لا يجوز المساس بهم . تُرفع الشعارات إلى مصاف “الحقائق المطلقة”، وتُصان القيادات عن النقد السوى بحجج “حساسية المرحلة” ، ويُغطى الخطأ الفادح برداء “الضرورة السياسية”. وليعلم الجميع ان الثورة الحقيقية تتغذى من النقد البناء، أما “التأسيس” الذي يصمت الأصوات ويُهمش الكفاءات ويُقدس الرموز، ، وكما قلنا سابقا ذلك استنساخ لثقافة شموليةوتسويق لبضاعة كاسده.

لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتي بمثلَهُ&عارٌ عليك وإن فعلتَ عظيمُ

إذا كان “تحالف تأسيس” يتحدث عن دولة المؤسسات ثم يبني على المحاصصة مخالفا للمادة 69 لدستورها، وعن العدالة ثم يعيد تدوير الفاسدين،والكيزان وعن المواطنة ثم يُقصي المبدئيين، فأين القطيعة مع الماضي؟

السؤال الذي لا يريدون طرحه مجددا

لاشك أنه السؤال الأشد قسوة هو: لماذا سفكت دماء الشباب إذا كانت النتيجة هي العودة للماضي بأسماء جديدة والوان وبهارج مزيفة؟ هذا ليس استنكارًا عاطفيًا، بل سؤال بنيوي عن غياب المراجعة النقدية، والمعايير الشفافة، والإرادة الفعلية لبناء دولة المواطنة المبتغاة. غياب الإجابة الصريحة هو بحد ذاته إجابة: أن “تأسيس” لم يؤسس بعد، وما نراه هو هيكل فارغ بثوب ثوري.

ختاما هل من فرصة ووقت للتأسيس الحقيقي؟

الفشل الذريع لا يبدأ بالانهيار الكامل، بل بالرضوخ لمنطق “الأمر الواقع”، والقبول بـ”الممكن”، والتنازل عن المعايير بحجة “الاستقرار”. هذا هو المسار الذي تسلكه “تأسيس” اليوم

sddgander@gmail.com 

كمبالا 24مايو 2026م

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!