
بعد حكم كوشيب… ساعة الحقيقة تدق: العدالة الدولية تفتح باب الحساب على مصراعيه
أبو عبدالله الراشدي
الحكم الذي أصدرته المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بسجن علي عبد الرحمن كوشيب عشرين عاماً لم يكن مجرد إجراء قانوني، ولا مجرد صفحة جديدة في ملف طويل من الجرائم والانتهاكات، بل كان إعلاناً واضحاً بأن العدالة الدولية لا تُهمل، وأن صوت الضحايا، مهما حاولت الأنظمة القمعية طمسه، لا يموت.
ما حدث في التاسع من ديسمبر 2025 كان أقرب إلى لحظة استعادة للكرامة الإنسانية. فالرجل الذي وقف سنوات طويلة على رأس آلة بطشٍ أحرقت القرى، وشرّدت الأسر، وانتهكت الحرمات، وجد نفسه أمام قضاة العالم يواجه حكماً يليق بحجم الجرائم التي اقترفها. قد يقول البعض إن عشرين عاماً رقم بسيط مقارنة بفداحة ما جرى، لكن العدالة ليست حساباً حسابياً، بل رسالة. وكوشيب، الذي تقدّم به العمر، سيدخل سجنه حاملاً إرثاً ثقيلاً، ولن يخرج منه إلا وقد أدرك أن زمن الإفلات من العقاب قد انتهى.
لكن الأهم من الحكم ذاته هو ما يفتحه من أبواب. فمحاكمة كوشيب ليست خاتمة المسار، بل بدايته. هي الخطوة التي تجرجر خلفها خطوات أكبر، والخيط الذي يشدّ بقية الأطراف نحو منصة العدالة. فلا يمكن الحديث عن جرائم دارفور دون ذكر الثلاثي الأشهر: عمر البشير، أحمد هارون، وعبد الرحيم محمد حسين. هؤلاء الذين امتلكوا السلطة، ووجّهوا القرار، وأداروا ماكينة الإبادة الجماعية بكل ما فيها من دماء ومآسي.
ما أثبتته المحكمة اليوم هو أن العدالة، وإن تأخرت، فإنها تتحرك بثبات. وأن الجرائم ضد الإنسانية ليست كالتهم العادية التي يطويها الزمن. فمثل هذه الجرائم تظلُ تطرق باب القضاء جيلاً بعد جيل، لأن ذاكرة الضحايا لا تشيخ، ولأن التاريخ نفسه يرفض أن يمنح الغفران لمن تلطخت أيديهم بالدماء.
إن محاكمة كوشيب تعيد إلى الواجهة سؤالاً ظلّ معلقاً منذ عقدين: كيف يمكن لشعب أن يبني مستقبله وهو لم يواجه بعد أشباح الماضي؟ لا يمكن لدارفور، ولا للسودان بأسره، أن يمضي إلى الأمام دون اعتراف واضح بالجرائم، ودون محاسبة عادلة للذين ارتكبوها. فالمجتمعات الناجية من الحروب لا تشفى بالصمت، بل بالحقيقة.
والدرس الأكبر في هذا الحكم هو أنه يثبت أن العدالة ليست فعلاً آنياً، بل مسار طويل يُبنى بالصبر والمثابرة. وأن كل جريمة، مهما طال عليها الزمن، ستجد طريقها إلى القاضي يوماً ما. وفي لحظة إصدار الحكم، بدا الأمر وكأن الضحايا، الذين انهكتهم المخيمات، والنساء اللواتي فقدن أبناءهن، والأطفال الذين كبروا داخل المعاناة، قد استعادوا جزءاً من حقهم – ربما ليس كله، لكنه بداية الطريق.
إن محاكمة علي كوشيب هي انتصار حقيقي لضحايا دارفور، وخطوة واسعة نحو محاكمة بقية المطلوبين. وهي قبل كل شيء إعلان بأن العالم، رغم تأخره، لا يزال قادراً على أن يقول للظلم: توقّف.
فالعدالة قد تتباطأ، لكنها في النهاية تصل، وتصل قوية، وتصل حيث يجب أن تصل.




