
عبدالعزير بخات المحامي
ضربة المسيرة التي استهدفت صباح اليوم مدينة غبيش بولاية غرب كردفان ليست حادثة عابرة يمكن تجاوزها بالصمت ولا رقما جديدا يضاف الى سجلات الحرب السودانية بل تمثل جريمة انسانية وقانونية مكتملة الاركان تعكس بصورة مؤلمة حجم الانهيار الذي وصلت اليه البلاد نتيجة استمرار الحرب واتساع دائرة العنف واستباحة حياة المدنيين
مدينة غبيش التي ظلت لسنوات تمثل واحدة من المدن المدنية الهادئة في غرب كردفان وجدت نفسها اليوم في مواجهة الموت والخوف والدمار بعد سقوط ضربة جوية وسط المدنيين الامر الذي ادى الى سقوط ضحايا بين قتيل وجريح وسط حالة من الرعب والهلع بين السكان الذين يعيشون اصلا اوضاعا انسانية بالغة القسوة بسبب الحرب وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية والانسانية
هذه الضربة تعيد الى الواجهة السؤال الكبير الذي يتهرب منه الجميع الى متى يظل المدني السوداني هو الضحية الاسهل في هذه الحرب ولماذا اصبحت المدن والاسواق والاحياء السكنية والاعيان المدنية مسرحا مفتوحا للقصف والاستهداف دون احترام للقانون او للضمير الانساني
ان القانون الدولي الانساني الذي وضع لحماية المدنيين اثناء النزاعات المسلحة جاء بصورة واضحة وصريحة في تحريم استهداف السكان المدنيين والاعيان المدنية حيث تؤكد اتفاقيات جنيف لعام 1949 والبروتوكولات الاضافية الملحقة بها ان المدنيين يتمتعون بالحماية الكاملة اثناء النزاعات المسلحة وان اي هجوم موجه ضدهم يعد انتهاكا جسيما للقانون الدولي
كما ان المادة الثامنة من نظام روما الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية تعتبر تعمد توجيه الهجمات ضد السكان المدنيين او ضد المنشآت المدنية التي لا تشكل اهدافا عسكرية جريمة حرب تستوجب المساءلة والمحاسبة الدولية
القانون الدولي لا يكتفي فقط بتحريم قتل المدنيين بل يفرض على اطراف النزاع الالتزام بمبادئ اساسية اهمها مبدأ التمييز بين الاهداف العسكرية والمدنية ومبدأ التناسب الذي يمنع استخدام القوة بصورة تؤدي الى خسائر مفرطة وسط المدنيين ومبدأ الضرورة العسكرية الذي يمنع استخدام العمليات العسكرية بصورة انتقامية او عشوائية
لكن ما يحدث على الارض في السودان يكشف بصورة واضحة ان هذه المبادئ يتم انتهاكها بصورة متكررة وان المدني السوداني اصبح يدفع ثمن حرب لا يملك قرارها ولا يستفيد من استمرارها بينما تتوسع دائرة الموت والنزوح والفقر والانهيار الاجتماعي يوما بعد يوم
الاخطر من ذلك ان استمرار مثل هذه الضربات يؤدي الى تعميق خطاب الكراهية والانقسام المجتمعي ويزيد من حالة الاحتقان والغضب ويفتح الباب امام المزيد من العنف والثأر وهو ما يهدد مستقبل السودان ووحدته واستقراره لسنوات طويلة قادمة
الحرب لا تبني وطنا ولا تصنع استقرارا ولا تحقق العدالة بل تؤدي دائما الى انهيار مؤسسات الدولة وتمزيق النسيج الاجتماعي وتحويل حياة المواطنين الى معاناة يومية مفتوحة على الخوف والجوع والنزوح وفقدان الكرامة الانسانية
ولذلك فان ما حدث في غبيش يجب الا يمر كخبر عابر في نشرات الاخبار بل ينبغي ان يكون جرس انذار حقيقي لكل القوى السياسية والعسكرية والمجتمعية بان استمرار الحرب يعني استمرار نزيف الارواح وتوسع دائرة الكارثة الانسانية
كما ان الواجب الوطني والاخلاقي يفرض فتح تحقيق شفاف ومستقل حول هذه الضربة وتحديد المسؤولية القانونية عنها وضمان عدم افلات اي جهة من المساءلة وفقا للقوانين الوطنية والدولية لان غياب العدالة يشجع على تكرار الجرائم ويحول حياة المدنيين الى اهداف مباحة
وفي ذات الوقت فان المطلوب اليوم ليس فقط الادانة والاستنكار بل التوجه الجاد نحو ايقاف الحرب وفتح مسارات السلام والحوار ومعالجة جذور الازمة السودانية بصورة عادلة تضمن حقوق المواطنين وتحفظ كرامتهم وتعيد بناء الدولة على اسس القانون والمواطنة والعدالة
الشعب السوداني لم يعد يحتمل المزيد من المقابر ولا المزيد من النزوح ولا المزيد من صور الاطفال والنساء تحت الانقاض ولم يعد مقبولا ان تستمر الحرب بينما تنهار المدن وتضيع الاجيال ويزداد الوطن تمزقا وفقرا وعزلة
السلام ليس ضعفا وليس استسلاما بل هو الطريق الوحيد لانقاذ ما تبقى من السودان وحماية المدنيين ووقف الانهيار واعادة الامل لشعب عانى طويلا من ويلات الحروب والصراعات
الرحمة والمغفرة لضحايا غبيش والشفاء العاجل للمصابين والسلام والامن والاستقرار لكل ربوع السودان




