
يعقوب التجاني المحامي
في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ جنوب كردفان، ومع اشتداد الحصار على مدن الولاية من كل الاتجاهات، تبدو الحاجة إلى صوت العقل أهم من أي وقت مضى. الرسالة التي أوجهها اليوم إلى قادة الفرق العسكرية والألوية وضباط الصف والجنود ليست دعوة للانكسار، بل دعوة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تتكرر مآسي شاهدنا فصولها في الفاشر وبابنوسة وهجليج.
أنتم أكثر من غيركم تعرفون طبيعة هذه المنطقة شديدة التعقيد، وتدركون أن جغرافيا كادقلي والدلنج ليست كسواها؛ فهذه المدن لا تحتمل حرب شوارع، ولا توفر ممراً آمناً للانسحاب إذا اندلعت المواجهات. كل الطرق حولها باتت تحت سيطرة قوات تحالف تأسيس، بما فيها الجيش الشعبي والدعم السريع ومعظم حركات دارفور المسلحة. تجاهل هذه الحقيقة هو لعب بالنار، ودفع للجنود إلى مصير لا يستحقونه.
لقد جاءت مناشدات القائد عبد العزيز الحلو والقائد عزت كوكو – المعروف بقلة الكلام وكثرة الفعل – واضحة وصريحة: تجنبوا الحرب، وسلّموا المواقع حقناً للدماء. وهي ذات الرسالة التي كررتها قوى جبال النوبة، إيماناً منها بأن الدم السوداني أغلى من أي موقع عسكري يمكن أن يسقط في ساعات.
ما حدث في بابنوسة ليس ببعيد عنكم. حين ناشدت الإدارات الأهلية ابنها درموت بالتسليم ورفض، رأى الجميع نهاية الطريق ومصير المكابرة. واليوم، لا يزال الدرس ماثلاً لمن أراد أن يتعظ.
عليكم أن تسألوا أنفسكم: أين هم قادة الحركة الإسلامية الذين يدفعون الجنود للقتال؟ أين أبناءهم؟ إنهم في الخارج، وفي بورتسودان، بعيدون عن الموت الذي يواجهه الجنود في الجبهات. أرواحكم ليست وقوداً لمعارك لا يملك أصحابها شجاعة خوضها بأنفسهم.
إن الحركة الشعبية اليوم لا تقاتل وحدها، بل ضمن تحالف تأسيس الذي بات نواة أولى لجيش دولة العدالة وسيادة حكم القانون. الباب مفتوح أمام كل من يؤمن بميثاقه ويريد الانضمام إليه من أجل مستقبل أفضل للسودان.
لهذا كله، فإن تسليم المواقع دون قتال ليس ضعفاً، بل شجاعة تاريخية تحفظ الأرواح وتمنع تدمير ما تبقى من الولاية.
احكموا صوت العقل… فالتاريخ لن يرحم المكابرين.




