
مها طبيق
عبور وحدات من الجيش السوداني إلى داخل أراضي دولة جنوب السودان يعتبر نقطة تحوّل فضحت التصدعات البنيوية في خطاب الدولة المركزية . الجيش الذي قدّم نفسه لعقود باعتباره “حارس الهوية العربية الإسلامية” في مواجهة الجنوب “الأفريقي المختلف” ، وجد نفسه في النهاية يلجأ إلى الطرف ذاته الذي بُنيت عليه سرديات التعبئة ، والاستعلاء ، وصناعة العدو .
استقبل الجنوب ، وتحديدًا روينق ، جنودًا كان يجسدون تاريخًا طويلًا من التنميط والإقصاء . القوة التي نظرت إلى الجنوب باعتباره فضاءً ناقص الهوية ، هي نفسها التي عبرت حدوده اليوم بحثًا عن الأمان . مشهد يلخص انهيار منظومة كاملة من الوهم الأيديولوجي التي حكمت تشكيل العقل السياسي في الخرطوم .
طوال خمسة عقود ، كان الجنوب ساحة مفتوحة للقصف والتهجير ، تحت لافتات “الجهاد” و”وحدة الوطن”. صُوّر الجنوبيون باعتبارهم شعبًا يحتاج إلى “تهذيب حضاري” ، وساحة بلا هوية قابلة للابتلاع فأصبح اليوم الملاذ بدلا عن الضحية .
لكن عندما انهارت بنية القوة المركزية ، لم يذهب الجنوب نحو الانتقام ، ولم يعامل جنود الشمال بمنطق الذاكرة الدامية . وإنما قدّم حمايةً ومأوى وتعاملًا إنسانيًا غاب عن الخرطوم حتى في ذروة سلامها . هذا الموقف المباشر أطلق رسالة سياسية حاسمة هي ان الأخلاق انتصرت على الأحقاد التاريخية .
الحدث كشف ضعفا وأسقط أهم مرتكز فكري قامت عليه الدولة المركزية هو خطاب العروبة السياسية الذي اعتبر الجنوب هامشًا بلا قيمة ، فإنهارت السردية الرئيسية ، وأنهار معها خطاب الدين المؤدلج الذي شرعن الحرب والقتل وكذلك رواية التفوق الثقافي التي بُنيت عليها الدولة الحديثة ، لأن عندما يصبح خروج الجيش ممكنًا فقط عبر حدود دولة صُنّفت لسنوات بأنها “مصدر التمرد”، فهذا يعني أن العمود الفقري للهوية السلطوية قد انكسر .
اللجوء إلى الجنوب هو خروج من مرحلة سياسية كاملة وخروج من خطاب الجهاد الذي أدار الحرب بلا مشروع ، وخروج من ذهنية التفوق المركزية التي اعتبرت الهامش تابعًا وخروج من هندسة دولة أقيمت على قهر الأطراف باسم الهوية .
إن اللحظة التي يحتمي فيها جيشٌ رفع رايات الجهاد فوق قرى الجنوب هي لحظة تعيد تعريف معنى السيادة والهوية والمشروعية الأخلاقية ، فكانت انتصار أخلاقي للجنوب وانكشاف كامل للمركز ، حيث لم ينتصر الجنوب عسكريًا في هذه الواقعة وإنما انتصر باعتباره الطرف الأكثر اتزانًا وإنسانية .
أما الخرطوم الرسمية المتصدعة والمنقسمة فقد واجهت الحقيقة التي تهربت منها لعقود حتى اصبح آخر ملاذ لجيشها أرضًا قاتلها باسم الدين والهوية . إنه شهادة تاريخية على انهيار مشروع سياسي كامل تأسس على التزييف ، واحتقار الهامش ، وتوظيف الهوية كسلاح .
ما حدث في هجليج هزم سردية كاملة شيّدت الدولة على الخوف والاستعلاء . وعندما يتحول “الهامش المحتقر” إلى الملاذ الآمن ، فهذا يعني أن التاريخ بدأ كتابة نسخته الجديدة ، نسخة بلا مركز متعالٍ ، وبلا هوية مفروضة ، وبلا خطاب يبرر الحرب باسم السماء .
مها الهادي طبيق
11 ديسمبر 2025
mahatebig@gmail.com




