
إيمان التجاني
يمر السودان اليوم بمرحلة فارقة، مرحلة لا يمكن وصفها إلا بأنها المحطة الأكثر قسوة في تاريخه الحديث. فالحرب التي اندلعت لم تكن مجرد صدام مسلح بين قوتين، بل انفجارًا شاملًا تراكمت بذوره عبر عقود من التفكك السياسي، وتغوّل الجماعات الأيديولوجية، وتراجع دور الدولة، حتى وصلت البلاد إلى اللحظة التي انهارت فيها الحدود بين الأمني والسياسي، وبين الخاص والعام، وبين الدولة والفوضى.
خرج السودان من سنوات حكم الإسلاميين مثقَلًا بإرثٍ ثقيل: مؤسسات مفرغة من الكفاءة، وجيش متعدد الولاءات، واقتصاد مُنهَك، وفضاء اجتماعي مُستنزَف. ومع بداية الحرب، انكشفت هشاشة هذه البنى دفعة واحدة. توقفت الخدمات، انهارت المنظومة الصحية، وتعطلت الإدارة العامة، وتحولت المدن الكبرى إلى مسارح للعنف، بينما وجد ملايين السودانيين أنفسهم بلا مأوى ولا حماية في أكبر موجات النزوح التي عرفتها البلاد.
ورغم هذا المشهد المظلم، لم يتوقف السودان عن إنتاج ما يدل على قدرته على البقاء. فوسط الانهيار العام، نشأت شبكات التضامن الشعبي كبديل مؤقت للدولة الغائبة، من غرف طوارئ تحمي المدنيين، إلى مجموعات إغاثة محلية، وصولًا إلى مبادرات تقدم الغذاء والدواء وتفتح طرق الإجلاء. هذه المظاهر التي برزت من قلب المعاناة تؤكد أن المجتمع السوداني أكثر تماسكًا مما حاولت سنوات القمع تصويره، وأن روح التكافل لا تزال قادرة على إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
لكن السودان لا يحتاج فقط إلى إدارة الأزمة، بل إلى تجاوزها. فالتفكير في المستقبل أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل. فالمشهد السياسي، كما هو الآن، لا يسمح بسلام حقيقي ما لم تُعالج جذور الأزمة بوضوح وشجاعة. وهذا يعني الاعتراف بأن إعادة تدوير النخب القديمة أو إعادة ترتيب المشهد على الطريقة التقليدية لن يفضي إلا إلى إعادة إنتاج الفشل.
ما يحتاجه السودان هو مشروع وطني متكامل يحدد شكل الدولة القادمة: دولة قانون ومؤسسات، تقوم على الشفافية والمحاسبة، وتضمن عدالة انتقالية لا تستهدف الانتقام، بل تصحيح المسار وكشف الحقيقة. كما يتطلب الأمر بناء جيش موحد غير خاضع للتسييس، وإعادة إعمار اقتصادية تُعيد الثقة في قدرة الدولة على تقديم الخدمات، وتضع المواطن في مركز العملية التنموية.
إن الطريق نحو السلام لن يكون سهلًا، لكنه ممكن. السودان يمتلك رصيدًا إنسانيًا وثقافيًا واجتماعيًا يجعله قادرًا على النهوض من جديد، شريطة أن تتوفر الإرادة السياسية والشعبية لفتح صفحة مختلفة. فالبلاد لا تحتاج فقط إلى وقف الحرب، بل إلى رؤية تغير شكل الحكم، وتعيد ترتيب العلاقة بين المواطن والدولة، وتؤسس لنظام يحصّن السودان من تكرار أزماته.
ورغم ضبابية اللحظة، يبقى الأمل حاضرًا. فالشعوب التي نجت من الخراب قادرة على إعادة بناء أوطانها حين تمتلك الشجاعة الكافية للنظر في المرآة، والاعتراف بالأخطاء، وصياغة مستقبل جديد. والسودان اليوم أمام فرصة، ربما تكون الأخيرة، ليثبت أنه قادر على استعادة نفسه من بين الركام، وأن يفتح بوابة نحو نهضة يستحقها شعبه بعد كل ما مر به.




