
سهيبة مريش … تكتب من نيالا البحير
حين تصبح الحكمة الشعبية مرآة للحكم والوعي والإنسان
يختزن المثل الشعبي السوداني «لو اثنين قالوا ليك راسك ما في، اهبشو» حكمة بالغة العمق، تتجاوز بساطته اللغوية إلى جوهر السلوك الإنساني في الحياة العامة والخاصة. فهو لا يدعو إلى الشك في الذات بقدر ما يحث على التوقف، والمراجعة، والتحقق حين تتكرر الملاحظة من أكثر من مصدر. فالتكرار هنا ليس صدفة، بل جرس إنذار يستحق الإصغاء.
هذا المثل يضعنا مباشرة أمام سؤال جوهري: هل نحن مستعدون لسماع الآخرين؟ أم أننا أسرى الغرور واليقين الزائف؟
حين يقول شخصان أو أكثر أمراً واحداً، فالأجدر ألا نرفضه بدافع المكابرة، بل أن نختبره بعقل هادئ. فربما يرى الآخرون ما نعجز نحن عن رؤيته، إما لقربهم من الصورة أو لابتعادهم عنها بما يسمح لهم برؤية أوضح.
في حياتنا اليومية، كثيراً ما نقع في فخ الاعتقاد بأننا على صواب دائم، خاصة حين نمتلك سلطة أو منصباً أو نفوذاً. هنا يبدأ الخلل الحقيقي. فالمنصب لا يمنح الحكمة تلقائياً، والسلطة لا تعني العصمة. بل على العكس، كلما ارتفع الموقع، زادت الحاجة إلى النقد والمساءلة وسماع الأصوات المختلفة، لأن القرارات لم تعد تمس الفرد وحده، بل تمس مصائر الآخرين.
التاريخ مليء بنماذج لقادة ومسؤولين أصابهم الغرور، فاعتبروا الحكم تشريفاً لا تكليفاً، وتعاملوا مع النقد باعتباره تهديداً لا نصحاً. وكانت النتيجة دائماً واحدة: الفشل، والانفصال عن الواقع، ثم السقوط. وقد جسّدت الدراما العالمية والمحلية هذه النماذج مراراً، لتقول لنا إن الاستبداد يبدأ حين يتوقف الحاكم عن السماع.
في السياق السوداني، يقدم الماضي القريب مثالاً صارخاً على خطورة تجاهل هذا المثل. فقد أثبتت تجربة نظام الإنقاذ كيف يؤدي قمع الأصوات وإغلاق المجال العام إلى تراكم الغضب وانفجار الشارع. تم تكميم الأفواه، واستُخدمت الأجهزة الأمنية لقمع الصحفيين والناشطين، لكن الحقيقة ظلت حاضرة، حتى خرجت في ثورة ديسمبر المجيدة، مؤكدة أن تجاهل الناس لا يلغي وجودهم ولا مطالبهم.
المسؤول الواعي هو من يترك مساحة للناس للتعبير، ويدرك أن حديث المواطنين عنه في غيابه هو انعكاس لمشاكلهم، لا مؤامرة ضده. وكما يقول أهلنا: «العود لو ما فيهو شق، ما بقول طق»؛ أي أن الشائعات لا تجد طريقها إلا حين يكون هناك خلل حقيقي.
وفي المقابل، تظهر دائماً فئة “المطبلاتية” وأصحاب المصالح، الذين يزينون الأخطاء ويمدحون الفشل طلباً للمنفعة. هؤلاء أخطر من النقد الصريح، لأنهم يعزلون المسؤول عن الواقع، ويقودونه إلى قرارات كارثية وهو يظن أنه محاط بالإجماع.
ختاماً، يعلّمنا مثل «لو اثنين قالوا ليك راسك ما في، اهبشو» أن الاستماع فضيلة، والتحقق حكمة، والتواضع قوة. وهو درس لا يخص الأفراد فقط، بل الحكّام وصنّاع القرار قبل غيرهم. فالتغيير الحقيقي لا يكون بالعناد، بل بالإنصات، ولا يقود إلى الأمام من يرفض أن يرى نفسه في مرآة الآخرين.




