رأي

مسيرة بلا شعب… حين يسقط وهم الشرعية كما سقط الاستنفار

عبد الناصر آدم حمزة

 

 عبدالناصر آدم حمزة 

لم يعد ما يعيشه السودان مجرد حرب عابرة بين أطراف متصارعة، بل تحوّل إلى مأساة وطنية شاملة قضت على الأخضر واليابس، ودفعت الملايين إلى النزوح واللجوء في أكبر كارثة إنسانية عرفها تاريخ البلاد القديم والحديث. حرب أعادت إنتاج الانقسامات الاجتماعية، وأيقظت خطاب الاستهداف الجهوي، وهددت وحدة السودان نفسها، في لحظة كان الوطن فيها أحوج ما يكون إلى حدٍ أدنى من الحس الوطني لوقف نزيف الدم والدمار.

غير أن المفارقة المؤلمة أن جنرالات الحرب، وعلى رأسهم البرهان وكتائبه المؤدلجة، ما زالوا يضعون المواطن في آخر سلّم أولوياتهم. فقد رفضوا كل المبادرات التي كانت يمكن أن تفتح نافذة لوقف الحرب، وبدلاً عن ذلك اختاروا طريق التصعيد، ودعوا أبناء الشعب البسطاء إلى ما سُمي بالاستنفار، للقتال في صفوف جيش تملكه الحركة الإسلامية، بعد أن مُني بهزائم واضحة في ميادين القتال أمام قوات الدعم السريع.

لكن تلك الدعوات قوبلت بفشل ذريع. فشلت لأن أبناء الهامش، الذين خبروا ويلات الحروب، أدركوا أن المطلوب منهم هو القتال بالإنابة عن نخب لم تدفع ثمناً، فيما يعيش أبناؤها في أمان خارج البلاد، ويتنقلون بين الجامعات والاحتفالات بعيداً عن أزيز الرصاص. لذلك سقط الاستنفار أخلاقياً وشعبياً قبل أن يسقط ميدانياً.

ومؤخراً، تكرر المشهد نفسه في ما سُميت بمسيرة 13 ديسمبر، التي دعا لها جيش الحركة الإسلامية في المناطق الخاضعة لسيطرته المحدودة. مسيرة لم تعبّر عن إرادة شعبية حقيقية، بل خرج فيها من خرجوا تحت الضغط والخوف، في مدن يُفرض فيها منطق القمع، وتُسن فيها سكاكين كتائب متطرفة، ويُلاحق فيها المواطن بقانون “الوجوه الغريبة” والاعتقال التعسفي. ومع ذلك، جاءت المسيرة باهتة في شكلها ومضمونها، وفشلت في منح أي شرعية لمن يبحث عنها وسط أنقاض وطن مدمّر.

اليوم، المواطن السوداني لم يعد معنيّاً بشعارات الحرب ولا بنداءات التعبئة، بل بات حلمه الوحيد هو وقف هذه الحرب العبثية، وبناء سودان جديد يقوم على العدالة الاجتماعية، والمواطنة المتساوية، وجيش وطني قومي غير مؤدلج. أما الإصرار على التعنت ورفع شعار “بل بس”، فلن يقود إلا إلى مزيد من الخراب. ولعل في فشل المسيرة والاستنفار درساً بليغاً لمن أراد أن يعتبر، فركب السلام هو الطريق الوحيد المتبقي قبل فوات الأوان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!