
مهدي عبد الله حامد
تخيّلوا معي.. وطنًا يُراد لهُ أن يُقاد بمقصلة “العزل” وسكاكين “النفي” فيخرج علينا السكير الذي غُمر عقلهُ بـ “خندريس” الأحقاد ليفصّل المواطنة على مقاس أوهامه الضيقة..!، تخيّلوا أن يجرؤ من يقتات على فتات الموائد السياسية والإرتزاق العسكري بـ التشكيك في انتماء مكونات أصيلة، ضاربة بجذورها في رحم هذه الأرض قبل أن يعرف التاريخ أسماء من يتطاولون اليوم، إن ما تفوه به “أركو مناوي” ضد أبناء “جنيد” ليس مجرد زلة لسان، بل هو إعلان صريح عن إفلاس قيمي وسياسي، وكشفٌ لوجه قبيح يتدثر بشعارات “التحرير” بينما يُمارس في الخفاء والعلن أبشع أنواع “الالغاء والإقصاء ” للآخر.
يا مناوي إن ذاكرة التاريخ السُّوداني “ليست مثقوبة” كما تتوهم وأنت تتقلب في حانات سويسرا، مخموراً بزهو “الشمبانيا” بعد أن كان سقف طموحك “المريسة” البلدية “والعرقي المحلي” فالتاريخ الذي تنكرهُ اليوم، فقد كتبهُ أبناء جنيد مع كافة السودانيين بحد السيف لا بالمداد المُراق الزائف أو اللسان المتلعثم بتأثيرات الكحول؛ فاسأل عنهم سواري “كرري” وغبار “شيكان” وطالع أخبارهم في معارك “أم دبيكرات” و”النخيلة” و”الجزيرة أبا” هم الذين أسسوا مع السودانيين جميعًا عاصمة الصمود “أمدرمان” العاصمة الوطنية وهم الذين نقشوا أسماءهم في حروبات “توشكي” عند حدود السودان شمالا، وفي “القلابات” مع الحدود شرقًا، هؤلاء لم يكونوا يوماً ضيوفًا على السودان، بل هم “أوتاد الأرض” التي تمنعها أن تميد بكم.
لقد سقط القناع عن “حركة تحرير السودان” لتظهر حقيقتها التي طالما حاولتم مواراتها؛ إنها حركة “إثنية مسيسة” و”مركزية عشائرية بغيضة”، بدأت تحت مسمى تحرير دارفور من الآخر، وانتهت بمحاولة نزع الجنسية الوطنية عمن هم أصل هذه البلاد، وكما ان هذا التصريح الملغوم هو نوع الخطاب الوقح والمنطلقات العنصرية هي التي أوردت السودان موارد الهلاك، ونحن اليوم نعلنها صراحة، لا مجال، لا قبول، ولا مساحة لهذه الترهات في سوداننا الجديد
ويا للعجب ان يتخرص مناوي من داخل حانات سويسرا ليعطي درس في المواطنة والأصول لفرسان سطروا تاريخ هذا الوطن بحد السيف لا بتفوه الخمر، فلقد بات مناوي يملك صكوك المواطنة يمنحها لمن يشاء وينزعها عمن يشاء، إنها “مأساة عقل القبلية المُسيس” حين يظن أن شرب الوسكي والشمبانيا يمحو ذاكرة التاريخ “المريرة” التي سجلها هؤلاء الشجعان على حوافر صولات الخيول في معركة الطابية وشارع العرضة مع تصاعد أصوات “النحاس والنقارة” قبالة “خور أبوعنجة” وشارع الموردة، ويا للفجيعة ويا للمأساة ان تخرج عليهم شخصية غير آبهةٍ بأن اللعب بورقة الإثنية هو لعبٌ بالنار في مخزن البارود، بل هو إعلان صريح لعداء وجودي، وعملية بائسة لتمزيق النسيج الوطني جراء نفث سمومها لتسميم السلم الإجتماعي.
فلا تنجروا خلف هذه الترهات والتخرصات وإن مناوي لا يمثل إلا نفسه وحركته وسكرهما السياسي، أما دارفور والسُّودان ففي رحابهما متسع للجميع دون إقصاء أو تمييز، وهنا تقول الحكمة في دارفور “الخشب كان اتمسك بيبقى حزمة، وكان اتفترق بيبقى حطب نار” نحن اليوم في حاجة لأن نكون تلك “الحزمة” القوية في وجه ريح الفتنة،
وإن التعايش مع بعضنا البعض ليس خيارًا ترفيًا، بل هو قدرنا ومصيرنا، وكما يُقال “البيت بلا جيران، زي الجنة بلا ناس” فكيف يسعى مناوي لهدم جدران الجيرة وإلغاء الأهل، فلنتكاتف جميعًا لرفض خطاب الكراهية، ولنعلنها صريحة السودان يسعنا جميعاً، والهوية الوطنية تُكتسب بالتضحية والبناء، لا بالجعجعة في خمارات أوروبا أو ممارسة الإقصاء من خلف أحاديث غابرة فاقدة المنطق والسند.
عبر تاريخ السودان ظل “الجنيديون” مع كافة الشعوب السُّودانية ركيزة أصيلة في نسيج الأرض، شركاء الدم والمصير في وحدة وجدانية لم تنفصم، وان محاولات أركو مناوي بذر الشقاق عبر خطاب الكراهية، ليست إلا صرخة القائد المهزوم الذي عجز عن كسب المعارك سياسيًا وعسكريًا وأخلاقيًا، فارتدّ ليسمم جسد الوطن بتفتيت اللحمة الوطنية، وكما ان التباغض الذي يروج لهُ يمثل طعنة في خاصرة التعايش التاريخي، ومحاولة بائسة لتعويض خسائرهُ العسكرية على حساب الأمن المجتمعي، سيبقى الوعي السوداني أقوى من دعوات التشرذم، فالتاريخ لا يرحم من يتاجر بجراح الشعوب ليغطي على إخفاقاته، وستظل وحدة الأرض عصية على الانكسار أمام مطامع العاجزين والفاشلين




