
حسن عبد الرضي
في مشهد يختصر المأساة السودانية كلها، يخرج عبد الفتاح البرهان ليشكر “الشعب السوداني” على مسيرات دعم الجيش، مغرّدًا من برجٍ عالٍ من الوهم، كأنه صانع ثورة ديسمبر، وكأنه حارس دمائها، وكأن ذاكرة هذا الشعب قصيرة أو قابلة للمحو بتغريدة.
أي سخرية أفدح من أن يشكر من انقلب على الثورة ومن أذل وما زال يذل شعبَ الثورة وصناعها؟ وأي مهزلة أكبر من أن يتحدّث من أمر بالقتل ومن يتمترس حول بندقيته؟
ما خرج في الشوارع ليس شعبًا، بل عشرات من المقهورين، دُفعوا دفعًا، وسِيقوا قسرًا، تحت تهديد الجوع والرعب، ليهتفوا هتافًا ميتًا: “جيش واحد شعب واحد”. هتافٌ فقد معناه يوم صار الجيش في مواجهة الشعب، ويوم تحوّلت البندقية من حماية الوطن إلى قمع أبنائه. أمّا الشعب الحقيقي، شعب ديسمبر، فقد قال كلمته منذ زمن، وما زال يقولها: مدنية خيار الشعب.
البرهان لا يقف طويلًا أمام الحقيقة؛ لأن الحقيقة أطول منه. الحقيقة تقول إن الرجل الذي يتقمّص اليوم دور الزعيم الشعبي هو نفسه من أمر بفضّ اعتصام القيادة العامة، تلك الجريمة التي لن تسقط بالتقادم، ولن تُغسل بتغريدة، ولن تُبرَّر بخطاب. هو نفسه من انقلب على حكومة الثورة في أكتوبر المشؤوم، حين أدرك أن ساعة تسليم رئاسة مجلس السيادة للشق المدني قد اقتربت، فاختار الانقلاب بدل الالتزام، والرصاصة بدل السياسة، والدبابة بدل الدولة.
أي قائد هذا الذي يكذب كما يتنفس؟ وأي “حارس وطن” هذا الذي لا يرى في الوطن إلا كرسيًا مؤقتًا يجب تثبيته بالقوة؟
البرهان لم يقد ثورة، بل قاد انقلابًا. لم يحرس دماء الشهداء، بل لوّثها. ولم يكن يومًا في صف العمالقة الذين صنعوا ديسمبر بصدورٍ عارية وإرادةٍ صلبة، بل كان — وما يزال — قزمًا سياسيًا يتقدّم الصفوف لأن البنادق تفسح له الطريق، لا لأن التاريخ اختاره.
العمالقة هم أولئك الذين خرجوا يهتفون للحرية وهم يعلمون أن الثمن قد يكون حياتهم. العمالقة هم الأمهات اللاتي قدّمن أبناءهن قربانًا لدولة مدنية. العمالقة هم المعلمون، والأطباء، والطلاب، والعمال، وكل من قال “لا” للطغيان. أمّا البرهان، فمكانه الطبيعي في هامش الصورة، حيث يقف من يخافون صناديق الاقتراع ويلجأون إلى فوهات البنادق.
لن تنقذك التغريدات، ولن تصنع المسيرات المصنوعة شرعية. الشرعية تُمنح من شعبٍ حر، لا من حشودٍ مُساقَة. والتاريخ لا يُكتب بالبيانات العسكرية، بل بدماء الشهداء وصبر الثوار.
وفي ميزان هذا التاريخ، سيظل البرهان مثالًا فادحًا على قصر القامة السياسية، حين حاول أن يتقدّم عمالقة الشعب السوداني… فسقط.
hasnabdu@gmail.com




