
د. اخلاص قرنق
في زمن الحروب والأزمات الكبرى، ينتظر الناس من وزير الإعلام أن يكون صوت العقل، وأن يحمل هموم المواطنين، وأن ينقل للعالم صورة صادقة عن معاناة شعبه وآماله. لكن يبدو أن وزير الإعلام خالد الإعيسر اختار طريقاً آخر، طريق المواجهة مع الصحفيين والإعلاميين بدلاً من مواجهة الأسئلة الحقيقية التي تؤرق السودانيين.
خلال حديثه لقناة الجزيرة، شن الإعيسر هجوماً على بعض الإعلاميين، متهماً إياهم بأنهم كانوا يتقاضون الأموال لتأييد الحرب والجيش، وأنهم انقلبوا على مواقفهم بعد انقطاع تلك الأموال. وهو حديث يثير أكثر من سؤال، لأن الأصل في المسؤول الحكومي أن يقدم الوقائع والأدلة، لا أن يطلق الاتهامات العامة التي تزيد من حالة الاستقطاب والانقسام التي تعيشها البلاد.
فإذا كانت هناك تجاوزات أو فساد أو شراء للذمم الإعلامية، فإن الواجب هو كشفها للرأي العام بالأدلة، لا الاكتفاء بخطابات سياسية تحمل طابع التشهير والتخوين. فالإعلام، مهما اختلفنا معه، لا يُواجه بالشتائم، وإنما بالحجة والمعلومة والشفافية.
الأكثر إثارة للدهشة كان حديث الوزير عن أن الشعب السوداني يعيش في رغد من العيش، في وقت يعرف فيه القاصي والداني حجم المأساة التي يعيشها الملايين داخل السودان وخارجه. ملايين النازحين واللاجئين، أسر فقدت منازلها ومصادر رزقها، أطفال حُرموا من التعليم، ومرضى لا يجدون الدواء، ومدن تحولت إلى ساحات حرب.
وحين سأله مراسل الجزيرة عن أي شعب يتحدث، بدا السؤال معبراً عن الفجوة الكبيرة بين الخطاب الرسمي والواقع اليومي الذي يعيشه المواطن السوداني.
وفي هذا السياق، جاءت مداخلة الصحفي عثمان ميرغني ساخرة ومؤلمة في الوقت نفسه، حين تسائل إن كان الوزير يقصد أولئك الذين يعيشون خارج السودان ويتمتعون بامتيازات الحياة في دول أخرى، أم أنه يتحدث عن المواطن البسيط الذي يقف في طوابير الخبز والدواء، أو ذلك النازح الذي يبحث عن مأوى آمن لأسرته.
إن المشكلة الحقيقية ليست في سؤال الصحفي، ولا في نقد الإعلاميين، وإنما في غياب الاعتراف بحجم الكارثة التي يعيشها السودان. فالشعوب لا تحتاج إلى خطابات تمجيدية، بل تحتاج إلى مسؤولين يمتلكون الشجاعة للاعتراف بالأخطاء والعمل على معالجتها.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الإنكار لا يبني وطناً، وأن تزييف الواقع لا يصنع استقراراً. فالمواطن الذي فقد بيته لن يقتنع بأنه يعيش في رخاء، والأم التي فقدت أبناءها لن تصدق أن الأمور بخير، واللاجئ الذي هجرته الحرب لن يغير رأيه بسبب تصريح إعلامي أو مؤتمر صحفي.
ما يحتاجه السودانيون اليوم هو خطاب يداوي الجراح لا أن يزيدها عمقاً، ويوحد الناس لا أن يقسمهم بين موالٍ وخائن، وبين وطني ومأجور. فالأوطان تُبنى بالحقيقة، والحقيقة تبدأ بالاعتراف بمعاناة الناس واحترام عقولهم.
أما تحويل الإعلام إلى ساحة للاتهامات المتبادلة، فهو هروب من مواجهة الأسئلة الكبرى: متى تتوقف الحرب؟ وكيف يعود النازحون إلى ديارهم؟ ومتى يستعيد السودان عافيته؟
تلك هي الأسئلة التي ينتظر الشعب السوداني إجاباتها، لا معارك الكلام.
خاتمة
إن الوزير الذي يواجه الصحفيين بالغضب بدلاً من الإجابة، وينشغل بتوزيع الاتهامات بينما يئن المواطن تحت وطأة الحرب والنزوح والجوع، يبتعد عن جوهر رسالته ومسؤوليته. فماهكذا تُورد الإبل يا وزير الإعلام. فالمناصب تزول، أما الكلمة فتبقى، والتاريخ لا يكتب ما قاله المسؤولون عن أنفسهم، بل ما عاشه الناس على أرض الواقع.




