رأي

الوقت ليس في صالح السودان

سمية النور دهب .. دبلن

 

 سمية النور دهب .. دبلن 

الوقت لا يعمل لصالح استقرار السودان، فكلما طال أمد الحرب، تضاءلت فرص الخروج من النفق المظلم، وتراجعت احتمالات سيناريو الإنقاذ، وإيقاف نزيف الدم، والتقاط الأنفاس لإعادة بناء الدولة. ومع استمرار الصراع، يصبح الاحتمال الأقرب هو البقاء في مرحلة هشاشة عميقة ومفتوحة على كل السيناريوهات، أو الانزلاق الكامل نحو انهيار الدولة، وهو سيناريو كارثي لا يمكن حصر فواتيره أو التنبؤ بحدود تداعياته.

انهيار السودان لا يعني فقط سقوط دولة، بل خروجها من معادلة “الدولة الواحدة” وفقدانها لمقومات الفاعلية الجيوسياسية، لتتحول من فاعل إقليمي مؤثر إلى فراغ خطير. السودان، الذي شكّل تاريخياً مفتاحاً استراتيجياً في قلب أفريقيا والعالم العربي، قد يصبح مفتاحاً مكسوراً، عاجزاً عن أداء أدواره السياسية والأمنية، وعلى رأسها دوره المحوري في التفاوض مع إثيوبيا بشأن تداعيات سد النهضة، والأخطار المستقبلية التي تهدد الأمن المائي لكل من السودان ومصر.

كما أن الوصول إلى سيناريو الانهيار الكامل سيقوض منظومة أمن البحر الأحمر، أحد أهم الممرات البحرية العالمية. فالساحل الغربي للبحر الأحمر قد يتحول إلى ساحة فوضى مفتوحة، تتقاسمها قوى دولية متنافسة، وميليشيات مسلحة، وتنظيمات إرهابية عابرة للحدود. وفي هذا السياق، قد يتشكل، استراتيجياً، جزء بالغ الخطورة من النظام العالمي الجديد على هذه المساحة الحساسة من الجغرافيا، بما يجعل السودان بؤرة تهديد مباشر للأمن الإقليمي والدولي.

وعلى الصعيد الأمني، فإن انهيار السودان سيحوّل أراضيه الشاسعة إلى ملاذ آمن للتنظيمات الإرهابية مثل “داعش” و”القاعدة” و”بوكو حرام”، الأمر الذي ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن أفريقيا، وأوروبا، والعالم. فالدول المنهارة لا تنتج الاستقرار، بل تصدر الفوضى، والسلاح، والتطرف.

اقتصادياً، فإن أي اضطراب في أمن البحر الأحمر سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين عالمياً، مما ينعكس تضخماً يتحمله المستهلك في مختلف أنحاء العالم. فالسودان ليس بعيداً عن حركة التجارة الدولية، بل يشكل أحد مفاصلها غير المرئية.

أما إنسانياً، فإن السودان المنهار سيشهد أكبر أزمة نزوح ولجوء في العالم، وهو ما سيخلق حالة من عدم الاستقرار الإقليمي، ويضغط على دول الجوار الهشة أصلاً، ويفتح الباب أمام أزمات ممتدة لعقود.

إن السودان، بحكم موقعه الجغرافي ومسؤوليته التاريخية، ليس دولة هامشية، بل محور استقرار حيوي للأمن القومي العربي والأفريقي. ولذلك فإن الحفاظ على وحدته، واستعادة دولته، لا يمثل مسؤولية السودانيين وحدهم، بل مسؤولية إقليمية ودولية، لأن انهياره يعني انهيار معادلات المياه، والملاحة، والأمن، بينما خروجه من الحرب يعني إعادة توازن المنطقة ووقف سلسلة من الأخطار المتصاعدة.

لا بد من إعادة دمج السودان في محيطه الإقليمي، وتفعيل دوره في التجمعات الإقليمية، وبناء “تحالف إرادة” حقيقي يضم كل من يدرك أن انفجار السودان لن يكون شأناً داخلياً، بل زلزالاً إقليمياً. فالسودان ليس دولة عادية يمكن ترميمها بعد حرب أهلية، بل هو قارة صغيرة، وخزان ثقافي وإنساني متعدد الأعراق واللغات، وانهياره قد يحوّله من جسر للتواصل إلى قنبلة متشظية في وجه الجميع.

وكلما طال أمد الحرب، فقدنا الثقة في القدرة على إرساء دعائم مشروع وطني وحدوي جامع، قادر على إنقاذ السودان من مصير الانهيار، وإعادته إلى موقعه الطبيعي كركيزة للاستقرار لا كمصدر للفوضى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!