رأي

حين تصبح المهنة وطناً: أبو مدين عبد الرحمن… طبيب الأطفال الذي داوى جراح جنوب دارفور بالإنسانية

سهيبة مريش.. نيالا

 

سهيبة مريش.. نيالا 

ليست العظمة في أن نؤدي أعمالاً خارقة، بل في أن نؤدي واجبنا الإنساني بإخلاص حين يتراجع الجميع

في أزمنة المحن، لا تُقاس قيمة الإنسان بما يملك، بل بما يمنحه للآخرين. وحين تضيق الحياة بالحرب، وتتراجع المؤسسات، وتنهار الخدمات، يبرز الأفراد الذين يحوّلون مهنتهم إلى رسالة، ووجودهم إلى فعل مقاومة إنسانية صامتة. في ولاية جنوب دارفور، وبين شوارع نيالا المثقلة بالخوف والحرمان، يبرز اسم الدكتور أبو مدين عبد الرحمن، استشاري طب الأطفال، بوصفه أحد هؤلاء الذين أعادوا تعريف معنى المهنية والالتزام الأخلاقي.

لم يكن أبو مدين مجرد طبيب يؤدي واجبه الوظيفي، بل كان – ولا يزال – ضميراً حياً يمشي بين الناس. في ظل ظروف حرب قاسية، ونقص حاد في الإمكانيات الطبية، وغياب أبسط مقومات العمل الصحي، اختار أن يبقى، وأن يداوي، وأن يقدّم ما استطاع من علم وخبرة بحب وتفانٍ نادرين. لم يغادر الولاية، ولم يتخذ من الخطر ذريعة للانسحاب، بل جعل من وجوده رسالة طمأنينة لأسر أنهكها الخوف على أطفالها.

تميّز أداء الدكتور أبو مدين بكفاءة مهنية عالية في التعامل مع قضايا طب الأطفال، وهي فئة تُعدّ الأكثر هشاشة في أوقات النزاعات. كان حاضراً في العيادة كما في قلوب الأهالي، يستقبل المرضى بصدر رحب، ويقدّم العلاج بروح المسؤولية، دون تمييز أو تفرقة. لم يسأل عن انتماء، ولم يقف عند قدرة مادية، بل كان سؤاله الدائم: كيف نُنقذ هذا الطفل؟

وفي زمنٍ أصبحت فيه تكلفة العلاج عبئاً ثقيلاً على كاهل الأسر، اختار أبو مدين أن ينحاز للإنسان. قدّم خدماته بأقل تكلفة ممكنة، وأحياناً بلا مقابل، تقديراً للظروف الاقتصادية القاسية التي فرضتها الحرب. هذا السلوك لم يكن استثناءً عابراً، بل نهجاً ثابتاً يعكس معدن الرجل وأصالة قيمه. لقد جسّد، بالفعل لا بالقول، معنى الرحمة التي تُعدّ جوهر مهنة الطب.

لم تتوقف مساهمته عند حدود العلاج، بل امتدت إلى توعية المجتمع بأهمية الصحة العامة والوقاية من الأمراض، خاصة في بيئة تفتقر إلى أدنى البديهيات الصحية. كان صوته حاضراً في تنبيه الأمهات، وإرشاد الأسر، ومحاولة سد الفجوة التي خلّفها تراجع النظام الصحي. هكذا تحوّل الطبيب إلى معلّم، والعيادة إلى مساحة أمل.

أصبح اسم أبو مدين اليوم حديث الولاية، لا لأنه بحث عن شهرة، بل لأن الإنسانية حين تُمارَس بصدق، تفرض حضورها. لقد صار قدوة حسنة، ونموذجاً لما يمكن أن يقدمه الفرد لوطنه من خلال مهنته، بعيداً عن الشعارات والخطابات. فالوطن لا يُخدم فقط في ميادين السياسة أو ساحات القتال، بل يُبنى أيضاً في غرف العلاج، وبين أنين المرضى، وبقلبٍ لا يعرف اللامبالاة.

إن هذا المقال ليس مجرد إشادة بطبيب فاضل، بل رسالة مفتوحة للجميع: اعملوا من أجل الوطن من مواقعكم، ومن خلال مهنكم، وبما تملكون من علم وخبرة. فحين ينهض كلٌّ بدوره، تتحول المهنة إلى فعل وطني، وتصبح الإنسانية جسراً لعبور الأزمات.

ختاماً، نحن في ولاية جنوب دارفور نعبّر عن خالص امتناننا وتقديرنا للدكتور أبو مدين عبد الرحمن، الذي جسّد معاني الرحمة والالتزام في أصعب الظروف. نتمنى له دوام الصحة والعافية، ونسأل الله أن يوفقه في مسيرته لخدمة الإنسان أولاً، ثم الطب، ثم الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!