رأي

بين الاستجداء السياسي وسقوط الرهانات: محاولات البرهان والإخوان لفك العزلة الدولية

مؤيد الأمين

 

مؤيد الأمين

منذ اندلاع الحرب في السودان، لم تتوقف محاولات الإخوان المتأسلمين وحلفائهم داخل المؤسسة العسكرية عن البحث المحموم عن نافذة تعيدهم إلى المشهد، ليس عبر الإرادة الشعبية، بل عبر استجداء القبول الإقليمي والدولي. وفي قلب هذه المحاولات يقف عبد الفتاح البرهان، باعتباره الواجهة العسكرية التي تراهن عليها الجماعة لتمرير عودتها الناعمة إلى السلطة، ولو على أنقاض وطن محروق ومواطن مسحوق.

زيارة البرهان الأخيرة إلى المملكة العربية السعودية لا يمكن فصلها عن هذا السياق. فهي لم تكن، في جوهرها، زيارة دولة تبحث عن حلول حقيقية لإنهاء الحرب، بل محاولة محسوبة لاستعطاف القيادة السعودية، وتقديم نفسه كـ«ضامن» للاستقرار، وقناة يمكن من خلالها إعادة تدوير الإخوان المتأسلمين بواجهة أقل فجاجة. الرسالة غير المعلنة كانت واضحة: دعونا نعود، وسنكون طيعين، منضبطين، وننفذ ما يُطلب منا.

غير أن هذا الرهان يتجاهل حقيقة جوهرية: السعودية، ومعها أطراف الرباعية، تدرك جيداً أن لا البرهان يملك قراره، ولا الإخوان يملكون رصيداً أخلاقياً أو سياسياً يسمح بتقديم أي ضمانات. فالتجربة الطويلة مع هذه الجماعة، في السودان وخارجه، أثبتت أن وعودها مؤقتة، وأن العهد عندها أداة تكتيكية لا قيمة لها متى ما استعادوا السيطرة. من يعرف الإخوان لا ينتظر منهم وفاءً، بل ينتظر انقلاباً جديداً على أي تفاهم.

وحين فشلت محاولات الاستعطاف، انتقلت الجماعة إلى سياسة الابتزاز. التلويح بروسيا، ومحاولة تسويق فكرة القاعدة البحرية، لم تكن إلا ورقة ضغط رخيصة: إما أن يُرفع الحظر الدولي عنهم، أو يذهبون شرقاً ويبيعون ما تبقى من السيادة السودانية. لكنها ورقة مكشوفة، لأن العالم يعرف أن من يساوم بوطنه مرة، سيساوم به مرات أخرى، وأن التحالفات المبنية على اليأس لا تصنع دولاً، بل تحوّلها إلى ساحات نفوذ.

في الداخل، لجأ الإخوان إلى مسرحية أكثر بؤساً: تظاهرات مصنوعة، وخطاب إعلامي فج، يدّعي أن «كل الشعب» يقف خلف القائد والجيش. وهي محاولة فاشلة لإنتاج شرعية زائفة في وقت يعرف فيه السودانيون أن هذه الحرب لم تُشن دفاعاً عنهم، بل دفاعاً عن شبكة مصالح، وعن مشروع تمكين جديد يُراد له أن يولد من رحم الخراب. الشرعية التي تُفبرك بالميكروفونات لا تصمد أمام واقع النزوح، والجوع، والمقابر الجماعية.

وفي المقابل، تحاول الكتلة السياسية المرتبطة بالدعم السريع تلميع صورتها أمام الأمم المتحدة، في سباق قبيح على «رضاء الخارج»، بينما المواطن السوداني هو الخاسر الوحيد. كلا طرفي الحرب يسعيان للقبول الدولي، لا من أجل السلام، بل من أجل تحسين شروط السيطرة في مرحلة ما بعد الدمار.

إطالة أمد الحرب، ورفض الهدن، ونسف أي مسار جاد للسلام، ليس عجزاً بقدر ما هو خيار واعٍ. فكل يوم حرب إضافي يعني إضعاف المجتمع، وتفكيك الدولة، وخلق واقع يمكن فيه تمرير مشروع «دولة بلا مواطن»: دولة أمنية، خاوية من السياسة، يحكمها العسكر وتحرسها الأيديولوجيا، ويُقصى منها الشعب باسم الاستقرار.

الرباعية الدولية (الولايات المتحدة، السعودية، الإمارات، ومصر) تقف اليوم أمام اختبار حقيقي. فإما أن تنحاز لمصالح الشعوب واستقرار الدول على المدى البعيد، أو تنخدع مرة أخرى بخطاب «الضمانات» الذي يقدمه البرهان والإخوان. التجربة السودانية تقول بوضوح: لا سلام مع مشروع إقصائي، ولا دولة مع جماعة تعتبر الوطن غنيمة، والمواطن مجرد تفصيل.

محاولات فك الحظر عن الإخوان المتأسلمين ليست سوى محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى ما قبل ديسمبر 2018، متجاهلة أن الشعب الذي أسقطهم مرة، لن يقبل بعودتهم مهما طال الزمن. قد ينجحون في كسب وقت، أو في شراء صمت مؤقت، لكنهم لن يشتروا شرعية، ولن يبنوا دولة.

السودان اليوم لا يحتاج إلى صفقات تحت الطاولة، ولا إلى عواطف مستجداة من الخارج، بل إلى موقف دولي واضح: لا مكافأة لمشعلي الحروب، ولا إعادة تدوير لمن دمّروا الدولة، ولا سلام يُبنى على إنكار إرادة شعب دفع، وما زال يدفع، أثماناً تفوق الاحتمال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!