
تقرير صحيفة التنوير
في لحظة مفصلية من تاريخ السودان الحديث، وفي ظل حرب تُعدّ الأكثر كلفة إنسانية وسياسية منذ الاستقلال، خرجت قوى مدنية وسياسية ومجتمعية سودانية مناهضة للحرب ببيان مشترك من العاصمة الكينية نيروبي، معلنة التوافق على «إعلان المبادئ السودانية لبناء وطن جديد»، إلى جانب خارطة طريق واضحة المعالم تهدف إلى إنهاء القتال ووضع البلاد على مسار التحول المدني الديمقراطي.
هذا التوافق، الذي جاء بعد أشهر طويلة من التشتت والانقسام والضغوط الهائلة التي فرضتها الحرب، لا يمكن قراءته كحدث عابر أو بيان سياسي تقليدي، بل بوصفه محاولة جادة لإعادة بناء مركز ثقل مدني في مشهد طغت عليه لغة السلاح، وتراجع فيه الصوت السياسي لصالح منطق القوة.
البيان الصادر من نيروبي حمل رسائل متعددة الاتجاهات: للداخل السوداني المنهك بالحرب، ولأطراف الصراع المسلح، وللإقليم، وللمجتمع الدولي. كما فتح الباب أمام نقاش معمق حول دلالاته، وحدود تأثيره، وفرص نجاحه في ظل واقع معقد تتداخل فيه المصالح المحلية والإقليمية والدولية.
بيان يتجاوز اللحظة… محاولة لاستعادة السياسة من فوهة البندقية
أبرز ما يميز البيان الصادر من نيروبي أنه لا يتعامل مع الحرب باعتبارها قدرًا محتومًا أو صراعًا لا يمكن كبحه، بل يضعها في إطارها السياسي الصحيح: نتيجة لمسار طويل من الانقلابات، واحتكار السلطة، وتغوّل المؤسسات العسكرية والأمنية على المجال المدني.
القوى الموقعة قدّمت نفسها، بوضوح، بوصفها قوى إنهاء حرب، لا قوى وساطة بين أطراف القتال، ولا أطرافًا محايدة تقف في منتصف الطريق. هذا التوصيف يعكس تحولًا مهمًا في خطاب القوى المدنية، التي باتت ترى أن المشكلة الأساسية ليست في غياب التفاوض فقط، بل في غياب مشروع سياسي مدني قادر على نزع الشرعية الشعبية عن استمرار الحرب
البيان لا يساوي بين السلاح والسياسة، ولا يمنح أطراف النزاع شرعية تمثيل المجتمع، بل يؤكد أن الحل يبدأ من استعادة المجال العام، وإعادة الاعتبار للفعل المدني المنظم، بوصفه المدخل الحقيقي لوقف النزيف.
إعلان المبادئ… وثيقة مفتوحة لا ناديًا مغلقًا
يطرح «إعلان المبادئ السودانية لبناء وطن جديد» نفسه بوصفه وثيقة مفتوحة، غير محصورة في القوى التي شاركت في اجتماعات نيروبي. فالمبادئ الواردة فيه قُدّمت على أنها ملكية وطنية عامة، قابلة للتطوير، ومفتوحة أمام كل القوى السياسية والمدنية التي تؤمن بإنهاء الحرب، وحماية المدنيين، والتحول الديمقراطي.
هذا الطابع المفتوح يحمل دلالة سياسية مهمة، إذ يسعى الإعلان إلى تجاوز منطق التحالفات الضيقة، وبناء مظلة مدنية واسعة قادرة على استيعاب التنوع السياسي والاجتماعي في البلاد. وهو ما يعكس إدراكًا عميقًا بأن أي مشروع لإنهاء الحرب لا يمكن أن ينجح إذا ظل حبيس مجموعات محدودة أو نخب معزولة عن القواعد الاجتماعية.
كما يؤكد الإعلان على جملة من المبادئ المركزية، أبرزها: مدنية الدولة، وحدة السودان على أسس جديدة، رفض عسكرة السياسة، احترام حقوق الإنسان، وضمان العدالة الانتقالية، باعتبارها شرطًا لا غنى عنه لأي سلام مستدام.
تصنيف المنظومات الإسلاموية… من مطلب نخبوي إلى توافق واسع
أحد أكثر بنود البيان إثارة للنقاش هو التوافق على المطالبة بتصنيف الحركة الإسلامية والحزب المحلول بعد الثورة وواجهاتهما المختلفة كمنظومات إرهابية. هذا المطلب ليس جديدًا في الخطاب السياسي السوداني، لكنه ظل، لسنوات، محصورًا في نطاق قوى محددة.
الجديد في إعلان نيروبي أن هذا المطلب تحوّل إلى موقف جماعي واسع، يعكس قناعة متزايدة بأن الأزمة السودانية لا يمكن فصلها عن الدور التاريخي لهذه المنظومة في تقويض الدولة المدنية، والسيطرة على مفاصل الجيش والأمن، واستخدام الدين غطاءً للعنف والإقصاء.
القوى الموقعة ترى أن تحميل هذه المنظومات المسؤولية السياسية والأخلاقية عمّا آلت إليه البلاد ليس خطوة انتقامية، بل مدخلًا ضروريًا لتفكيك البنية التي أعادت إنتاج الانقلابات والحروب، ومنعت قيام دولة القانون والمؤسسات.
معسكران لا ثالث لهما… السلام في مواجهة اقتصاد الحرب
يرسم البيان، بوضوح، خطًا فاصلًا بين معسكرين:
معسكر يسعى إلى إنهاء الحرب واستعادة الحياة المدنية، ومعسكر آخر يعمل على إطالة أمد النزاع حفاظًا على مصالحه السياسية والاقتصادية.
هذا التقسيم لا يستهدف شيطنة المجتمع، بل يضع المسؤولية حيث يجب أن تكون: على شبكات المصالح التي ازدهرت في ظل الفوضى، واستفادت من اقتصاد الحرب، وسعت إلى عسكرة المجال العام واحتكاره.
القوى المدنية ترى نفسها في موقع دعاة السلام، لا بوصفه شعارًا أخلاقيًا فقط، بل مشروعًا سياسيًا متكاملًا، يقوم على نزع أي غطاء اجتماعي عن استمرار القتال، وتجفيف مصادر الشرعية الشعبية التي يتكئ عليها أطراف الصراع.
الرهان على الجبهة الشعبية… استعادة الوزن الأخلاقي للمجتمع
الرهان الأساسي الذي يطرحه إعلان نيروبي هو حشد أوسع جبهة شعبية ممكنة، قادرة على فرض إرادة عامة رافضة للحرب، ومطالبة بوقفها دون مواربة.
هذا الرهان ينطلق من قناعة مفادها أن السلاح، مهما بلغ حجمه، لا يستطيع الاستمرار طويلًا في مواجهة رفض شعبي واسع ومنظم. فالحروب لا تُحسم فقط في الميدان العسكري، بل تُحسم أيضًا في ميدان الشرعية الاجتماعية.
القوى المدنية تراهن على أن التعب المجتمعي الهائل، ومعاناة الملايين من النزوح والجوع والانتهاكات، يمكن أن يتحول إلى طاقة ضغط سياسية، إذا ما وُجد الإطار القادر على تنظيمه وتوجيهه.
خارطة طريق بثلاثة مسارات… فهم واقعي لتعقيدات الأزمة
إعلان نيروبي لا يكتفي بتشخيص الأزمة، بل يقدّم خارطة طريق بثلاثة مسارات متوازية، تعكس فهمًا عميقًا لتعقيدات الواقع السوداني.
المسار الأول يتمثل في الهدنة والترتيبات الإنسانية، بوصفها أولوية أخلاقية عاجلة، تهدف إلى تخفيف معاناة المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
المسار الثاني هو وقف إطلاق النار، باعتباره خطوة ضرورية لتثبيت أي تقدم إنساني، وتهيئة المناخ لأي عملية سياسية جادة.
أما المسار الثالث فيتمثل في إطلاق عملية سياسية شاملة، تؤسس لتحول ديمقراطي حقيقي، ولا تكتفي بترتيبات انتقالية هشة تعيد إنتاج الأزمة.
العمل المتوازي على هذه المسارات يعكس رفضًا للحلول الجزئية أو المؤجلة، وإدراكًا بأن تأجيل السياسة بحجة الأمن لم يؤدِ في تاريخ السودان إلا إلى مزيد من الانقلابات.
الكلفة الإنسانية… حين تتحول الأرقام إلى اتهام أخلاقي
البيان والنقاشات المصاحبة له يضعان الكلفة الإنسانية للحرب في صدارة المشهد. فالسودان اليوم يواجه واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العالم:
ملايين النازحين داخليًا، ملايين اللاجئين خارج الحدود، عشرات الملايين يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وانهيار شبه كامل للخدمات الصحية والتعليمية.
هذه الأرقام لا تُطرح بوصفها بيانات إحصائية مجردة، بل كـاتهام أخلاقي مباشر لكل من يواصل الحرب أو يتواطأ مع استمرارها. فاستمرار النزاع لم يعد مجرد فشل سياسي، بل جريمة جماعية بحق المجتمع.
القوى المدنية تؤكد أن الصمت الدولي، والتباطؤ الإقليمي، وعدم ممارسة ضغط حقيقي على أطراف القتال، كلها عوامل ساهمت في تفاقم المأساة، ما يجعل التحرك المدني مسؤولية وطنية وأخلاقية لا تحتمل التأجيل.
العدالة والتحول الديمقراطي… شرطا إنهاء دورة الانقلابات
في جوهر إعلان نيروبي تأكيد واضح على أن العدالة ليست بندًا قابلًا للمساومة، بل شرط أساسي لتحقيق السلام والاستقرار. فالتجارب السابقة أثبتت أن التسويات التي تتجاوز العدالة تنتج سلامًا هشًا، سرعان ما ينهار أمام أول اختبار.
القوى المدنية تربط بين إنهاء الحرب وإنهاء حقبة الانقلابات العسكرية التي هيمنت على السودان لعقود طويلة، مؤكدة أن التحول الديمقراطي الكامل وحده هو الضمانة الحقيقية لعدم تكرار المأساة.
البيان يستحضر، ضمنيًا، التاريخ الطويل للمقاومة المدنية في السودان، من ثورتي أكتوبر وأبريل، وصولًا إلى ثورة ديسمبر، بوصفها حلقات في مسار تراكمي لم ينقطع رغم القمع والانكسارات.
هل تكون نيروبي بداية استعادة الأمل؟
إعلان المبادئ الصادر من نيروبي لا يدّعي امتلاك حلول سحرية، ولا يقلل من حجم التحديات التي تواجه السودان. لكنه يمثل، بلا شك، محاولة جادة لاستعادة السياسة من قبضة السلاح، وإعادة بناء مركز مدني قادر على مخاطبة الداخل والخارج بلغة واحدة: لغة إنهاء الحرب وبناء الدولة.
نجاح هذه المبادرة سيظل مرهونًا بقدرتها على التوسع، والاقتراب من الشارع، وتحويل المبادئ إلى فعل منظم ومستدام. لكن المؤكد أن نيروبي أعادت، ولو جزئيًا، فتح نافذة أمل في مشهد بدا، لفترة طويلة، مغلقًا تمامًا.
في بلد أنهكته الحروب والانقلابات، قد لا يكون هذا التوافق نهاية الطريق، لكنه، بلا شك، خطوة ضرورية على طريق طويل نحو سودان مدني، ديمقراطي، وآمن.




