تقارير وتحقيقات

نواطير مصر وسيسيها !!!

كلمة صحيفة التنوير

 

كلمة.. صحيفة التنوير 

لا يمكن قراءة التلويح المصري بالتدخل العسكري في السودان، كما ورد في البيان الصحفي مساء اليوم، إلا بوصفه انزلاقًا فادحًا نحو عسكرة أزمة داخلية مدمّرة، ومحاولة مكشوفة لإلباس هذا الانزلاق ثوبًا قانونيًا باليًا لا يصمد أمام أدنى اختبار للعقل أو للقانون. إنه خطاب تهديد لا خطاب سلام، واستدعاء للسلاح في لحظة كان الأجدر فيها استدعاء الحكمة.

إن الحديث عن “اتفاقية دفاع مشترك” بوصفها سندًا قانونيًا لهذا التلويح لا يرقى إلى كونه مجرد خطأ، بل يقترب من التضليل الصريح. فالسودان ومصر لا تجمعهما اليوم أي اتفاقية دفاع مشترك نافذة أو سارية. الاتفاق الوحيد الذي حمل هذا الوصف وُقّع عام 1976 بين جعفر نميري وأنور السادات، وقد دُفن سياسيًا وقانونيًا منذ عقود، ولا وجود له في الواقع القانوني المعاصر، ولا يمكن بعثه من الرماد لتبرير مغامرات عسكرية جديدة.

والأدهى أن هذه الاتفاقية لم تسقط بالتقادم وحده، بل أُلغيت صراحة بقرار سيادي واضح خلال الديمقراطية الثالثة، حين أقدم رئيس الوزراء المنتخب الصادق المهدي على إلغائها ضمن مراجعة شاملة لإرث العهد العسكري، تأكيدًا لسيادة السودان ورفضًا لربط أمنه الوطني بإرادات خارجية. منذ تلك اللحظة، انتهى أي حديث عن دفاع مشترك، وانتهت معه كل شرعية سياسية أو قانونية للاستناد إليه.

أما الاتفاق القائم حاليًا بين الخرطوم والقاهرة، والموقّع في مارس 2021، فهو اتفاق تعاون عسكري لا أكثر: تدريب، تنسيق، تبادل خبرات. لا التزام بالحرب، ولا تفويض بالتدخل، ولا غطاء قانونيًا للزج بقوات أجنبية في نزاع داخلي. 

إن تحويل هذا النوع من الاتفاقات إلى ذريعة للتدخل العسكري هو تزوير للمفاهيم وتلاعب فج بالقانون الدولي.

والفارق بين الدفاع المشترك والتعاون العسكري ليس تفصيلًا لغويًا، بل حدٌّ فاصل بين الشرعية والعدوان. فالدفاع المشترك لا يُفعّل إلا في مواجهة عدوان خارجي بين الدول، ولا يمتد إلى الحروب والنزاعات الداخلية . 

وإسقاطه على الحالة السودانية ليس فقط خطأ قانونيًا، بل تبرير وقح لتوسيع حرب أهلية معقّدة، لن تثمر إلا مزيدًا من الدم والخراب وتشريد المدنيين.

إن أي تدخل عسكري خارجي في السودان لن “يحمي الدولة”، بل سيكسر ما تبقى منها، ولن “يصون المؤسسات”، بل سيحوّلها إلى ساحات صراع إقليمي بالوكالة. سيطيل أمد الحرب، ويغلق نوافذ الحل السياسي، ويعمّق الكارثة الإنسانية التي تجاوزت بالفعل حدود الاحتمال.

أما ما يحاول فعله سيسي مصر، فليس دفاعًا عن السودان ولا حرصًا على استقراره، بل امتداد لعقلية قديمة ترى في السودان جغرافيا بلا وطن، وموارد سائبة في دولة بلا سيادة. 

وهو سلوك سلطة محدودة الأفق، تقايض القانون بالقوة، وتستعيد أوهام الخديوية دون أدواتها، ودون تاريخها، ودون حتى خديوي، إلا لو كان القزم الجاثم على صدور أهلها قد نصب خديوي عليهم!

انها عقلية ترى السودان “حديقة خلفية” تُقطف ثمارها متى شاءت القاهرة، وهو وهم لا يمكن فرضه إلا في ظل أنظمة بلا تفويض شعبي، ولا يمكن تمريره إلا عبر تحالفات مع سلطات انقلابية كحكم البرهان والكيزان.

السودان لا يحتاج إلى جيوش جديدة، ولا إلى خطوط حمراء تُرسَم بالبيانات، بل إلى وقف حقيقي للحرب. وأي خطاب يلوّح بالسلاح، مهما تلحف بلغة القانون أو الأمن القومي، ليس جزءًا من الحل، بل شريك مباشر في إطالة المأساة وتعميقها.

ثم متى انتصرت مصر في حرب، إلا في سردية رسمية صُنعت بعناية لتُصدَّق؟

إن المثال الأوضح هو كذبة “نصر أكتوبر 1973”، تلك الخدعة الكبرى التي مُورست على الوعي المصري، فآمن بها الداخل، وسُوّقت للخارج العربي بوصفها حقيقة راسخة!

إنه الانتصار الوحيد في التاريخ الذي يخسر فيه “المنتصر” أرضه خمسة عشر عامًا كاملة، ولا يستعيدها إلا على طاولة التفاوض في كامب ديفيد، بشروط سياسية وأمنية قاسية. 

نصر بلا نتائج، وبطولة بلا حصاد، وسردية جرى استخدامها لاحقًا لتبرير العسكرة الدائمة، وتغذية وهم القوة، بينما الواقع يقول إن الحروب لا تُقاس بالشعارات، بل بما تُنقذه من أوطان، لا بما تتركه من أنقاض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!