العدالة تعود الي الواجهة : كيف تقود السلطة القضائية بحكومة السلام الانتقالية مشروع إعادة بناء الدولة عبر بوابة القانون
التنوير تقرير خاص قسم الاخبار

التنوير تقرير خاص قسم الاخبار

في التجارب الوطنية الكبرى، لا تبدأ عملية بناء الدولة من تشييد المباني أو إعادة تشغيل المرافق العامة فحسب، وإنما تنطلق أولاً من إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وتأتي المؤسسة القضائية في مقدمة هذه المؤسسات باعتبارها الضامن الأول للحقوق والحريات، والحارس الأمين لسيادة القانون، والمرجعية التي تحتكم إليها الدولة والمجتمع عند النزاعات والأزمات.
وفي السودان، حيث خلفت سنوات الحرب والانقسام المؤسسي واقعاً بالغ التعقيد، برزت الحاجة إلى سلطة قضائية فاعلة وقادرة على استعادة دورها الدستوري والتاريخي. ومن هذا المنطلق، شهدت العاصمة الاتحادية نيالا خلال الأسابيع الماضية حراكاً عدلياً غير مسبوق، قادته السلطة القضائية بحكومة السلام والوحدة، واضعةً ملف العدالة في مقدمة أولويات المرحلة الجديدة.
ومنذ أداء مولانا إدريس النور القسم رئيساً للقضاء، بدأت المؤسسة العدلية في التحرك بخطوات متسارعة لاستعادة حضورها المؤسسي، ليس فقط باعتبارها جهازاً للفصل في الخصومات، وإنما بوصفها إحدى الركائز الأساسية لمشروع بناء الدولة وترسيخ الاستقرار السياسي والاجتماعي.
محطة مفصلية في تاريخ المؤسسة القضائية
مثل تعيين مولانا إدريس النور رئيساً للقضاء نقطة تحول مهمة في مسار إعادة بناء مؤسسات العدالة. فالمنصب الذي ظل شاغراً لفترة ليست بالقصيرة عاد ليشغل موقعه الطبيعي داخل هيكل الدولة، بما يحمله ذلك من دلالات سياسية وقانونية عميقة.
وقد جرت مراسم أداء القسم في العاصمة الإدارية نيالا بحضور قيادات الدولة وممثلي المجلس الرئاسي، في مشهد عكس الإرادة السياسية الرامية إلى استكمال بناء مؤسسات الحكم وترسيخ مبدأ الفصل بين السلطات.

ولا تكمن أهمية الحدث في التعيين نفسه، وإنما في ما أعقبه من حراك واسع كشف عن وجود رؤية متكاملة لإعادة هيكلة السلطة القضائية وتفعيل أدوارها المختلفة، وهو ما جعل كثيراً من المراقبين ينظرون إلى هذه الخطوة باعتبارها بداية فعلية لمرحلة جديدة من العمل المؤسسي.
القضاء في قلب مشروع الدولة
منذ الأيام الأولى لتوليه المنصب، حرص رئيس القضاء على التأكيد أن المؤسسة القضائية ليست جهازاً معزولاً عن قضايا المجتمع والدولة، بل شريك أساسي في صناعة الاستقرار وتحقيق السلم المجتمعي.
وتنبع هذه الرؤية من حقيقة أن العدالة تمثل أساس الشرعية السياسية وأحد أهم مقومات الاستقرار. فكلما شعر المواطن بوجود قضاء مستقل وعادل، تراجعت دوافع اللجوء إلى العنف والانتقام الشخصي، وارتفعت مستويات الثقة في الدولة ومؤسساتها.
ولهذا السبب، اكتسبت التحركات الأخيرة أهمية استثنائية، لأنها جاءت في توقيت يحتاج فيه السودان إلى إعادة بناء العقد الاجتماعي على أسس قانونية ومؤسسية راسخة.
دعم حكومي واضح لاستقلال القضاء
وجدت السلطة القضائية دعماً مباشراً من القيادة التنفيذية، تجلى بصورة واضحة خلال الاجتماع الموسع الذي جمع رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي برئيس القضاء ونائبه ووزير الداخلية الدكتور سليمان صندل.

وقد حمل الاجتماع رسائل سياسية مهمة، أبرزها تأكيد الحكومة التزامها بحماية استقلال القضاء وعدم التدخل في شؤونه، إلى جانب توفير الدعم اللازم لتمكينه من أداء مهامه.
وشدد رئيس الوزراء خلال الاجتماع على أن مكافحة الفساد وترسيخ العدالة يمثلان أولوية وطنية لا يمكن التراجع عنها، مؤكداً أن دولة القانون لا يمكن أن تقوم إلا بوجود قضاء مستقل يمتلك الأدوات القانونية والمؤسسية التي تمكنه من أداء رسالته.
كما ناقش الاجتماع سبل تطوير التعاون بين المؤسسات العدلية المختلفة، بما يحقق التكامل بين السلطات دون المساس بمبدأ استقلال القضاء.
رؤية دستورية جديدة للعدالة
من أهم القضايا التي طرحت خلال اللقاءات الرسمية مسألة إعادة تنظيم السلطة القضائية بما يتوافق مع أحكام الدستور الانتقالي لسنة 2025.
وأوضح رئيس القضاء أن الدستور وضع تصوراً جديداً للنظام القضائي يقوم على مستويين متكاملين: سلطة قضائية اتحادية وسلطات قضائية إقليمية، في إطار النظام اللامركزي الذي تبنته الدولة.

ويمثل هذا التحول نقلة نوعية في فلسفة إدارة العدالة، إذ يهدف إلى تقريب الخدمات القضائية من المواطنين وتوسيع نطاق الوصول إلى العدالة، مع الحفاظ على وحدة المرجعية القانونية للدولة.
ويحتاج تنفيذ هذا النموذج إلى إصدار تشريعات جديدة ولوائح تفصيلية تحدد الاختصاصات والعلاقات بين المستويات المختلفة للسلطة القضائية، وهو ما تعمل عليه الجهات المختصة حالياً.
جولات ميدانية من أجل تشخيص الواقع
أدركت قيادة القضاء أن أي عملية إصلاح حقيقية لا يمكن أن تعتمد على التقارير المكتبية وحدها، ولذلك اختارت النزول إلى الميدان والوقوف مباشرة على أوضاع المؤسسات العدلية.

وشملت الجولات التفقدية مجمعات المحاكم المختلفة بمدينة نيالا، حيث تمت معاينة الأضرار والاحتياجات الفعلية للمقار القضائية، وتقييم جاهزيتها لاستئناف العمل بصورة كاملة.
وأظهرت هذه الجولات حجم التحديات التي تواجه المؤسسة القضائية، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن فرص كبيرة لإعادة البناء والتطوير، خاصة في ظل توفر الإرادة السياسية والدعم المؤسسي.
إعادة بناء الإدارة القضائية
إلى جانب الإصلاح القانوني، أولت رئاسة القضاء اهتماماً خاصاً بالبنية الإدارية للمؤسسة.

فتم تكليف مدير المكتب التنفيذي باتخاذ الإجراءات اللازمة لتعيين مدير مالي ومدير إداري، بما يضمن تطوير الأداء المؤسسي وتحسين إدارة الموارد.
وتعد هذه الخطوة جزءاً من عملية أوسع تستهدف تحديث الإدارة القضائية وفق معايير الحوكمة الرشيدة والكفاءة والشفافية.
فالعدالة الحديثة لا تقوم فقط على القاضي والمحكمة، وإنما تحتاج إلى جهاز إداري محترف قادر على إدارة الملفات والموارد والخدمات بصورة فعالة.
معركة استرداد الأصول
من أبرز القرارات التي صدرت خلال الفترة الماضية تشكيل لجنة متخصصة لحصر واسترداد أصول السلطة القضائية.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها تعيد للمؤسسة السيطرة على ممتلكاتها ومرافقها المختلفة، وتحمي المال العام من الضياع أو التعدي.
وقد بدأت اللجنة بالفعل أعمالها الميدانية، واضعة خطة شاملة تشمل المباني والمركبات والمعدات والأثاثات وغيرها من الأصول التابعة للسلطة القضائية.
وينظر إلى هذه العملية باعتبارها جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة على أسس مؤسسية حديثة قائمة على الانضباط والشفافية والمساءلة.
حماية الحقوق العقارية للمواطنين
في ظل الظروف الانتقالية الراهنة، برزت قضية تسجيلات الأراضي والتوثيقات باعتبارها من أكثر الملفات حساسية.
ولذلك اتخذت رئاسة القضاء قراراً بتكليف رؤساء الأجهزة القضائية بالإشراف المؤقت على هذه الأعمال، لضمان استمرار الخدمات القانونية وحماية حقوق المواطنين.
ويمثل هذا الإجراء استجابة عملية لواقع استثنائي فرضته ظروف المرحلة، كما يعكس إدراكاً عميقاً لأهمية حماية الملكية الخاصة ومنع نشوء نزاعات قانونية قد تؤثر على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي مستقبلاً.
العدالة الإنسانية داخل السجون
لم تقتصر تحركات القيادة القضائية على المحاكم والمكاتب الإدارية، بل امتدت إلى المؤسسات الإصلاحية.
فقد نفذ رئيس القضاء ونائبه زيارة تفقدية إلى سجن نيالا الكبير، اطلعا خلالها على أوضاع النزلاء والموقوفين وبيئة العمل داخل المؤسسة.

وحملت هذه الزيارة رسالة واضحة مفادها أن العدالة لا تنتهي عند إصدار الأحكام، وإنما تشمل أيضاً ضمان معاملة إنسانية تحفظ كرامة النزلاء وتراعي حقوقهم القانونية.
كما أتاحت الزيارة فرصة لمراجعة أوضاع بعض القضايا والملفات القانونية بما يسهم في تسريع الإجراءات وتحقيق العدالة الناجزة.
تنسيق عدلي بين دارفور وكردفان
في إطار تعزيز العمل المؤسسي، استضافت ولاية جنوب دارفور اجتماعاً موسعاً ضم قيادات قضائية ونيابية وإدارية من عدد من الولايات.

وناقش الاجتماع التحديات المشتركة التي تواجه المؤسسات العدلية، وسبل تطوير الأداء وتوحيد الرؤى بشأن المرحلة المقبلة.
وأكد المشاركون أهمية تعزيز التنسيق بين الأجهزة القضائية والنيابية والإدارية، باعتباره شرطاً ضرورياً لبناء منظومة عدلية متماسكة وقادرة على مواجهة التحديات.
كما رحب المجتمعون بخطوة تعيين رئيس القضاء، واعتبروها بداية حقيقية لاستكمال هياكل العدالة في مناطق حكومة السلام والوحدة.
المحامون شركاء في الإصلاح
في خطوة تعكس الانفتاح على المجتمع القانوني، عقد رئيس القضاء اجتماعاً مع تحالف المحامين السودانيين، ناقش خلاله عدداً من القضايا المتعلقة بالإصلاح المؤسسي.

وتناول اللقاء موضوعات الأتمتة والحوكمة ومكافحة الفساد وتطوير تسجيلات الأراضي وإعداد قانون جديد للسلطة القضائية.
كما ناقش الجانبان ضرورة تخفيف أعباء التقاضي على المواطنين، وتوسيع فرص الوصول إلى العدالة للفئات الأكثر هشاشة.
ويعكس هذا الحوار أهمية إشراك أصحاب المصلحة والخبرات القانونية في عملية الإصلاح، بما يضمن استدامتها ونجاحها على المدى الطويل.
العدالة بوصفها مدخلاً للاستقرار
تجمع معظم الدراسات السياسية والقانونية على أن المجتمعات الخارجة من النزاعات تحتاج إلى مؤسسات عدلية قوية أكثر من حاجتها إلى أي شيء آخر.
فالعدالة تمثل الضمانة الأساسية لمنع عودة الصراعات، وتسهم في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وتوفر الإطار القانوني اللازم للتنمية والاستثمار والاستقرار.
ومن هنا يمكن فهم الأهمية الاستراتيجية للتحركات التي تقودها السلطة القضائية اليوم، باعتبارها جزءاً من مشروع وطني أوسع لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس جديدة.

مستقبل واعد وتحديات قائمة
ورغم أهمية ما تحقق خلال الأسابيع الماضية، فإن الطريق ما يزال طويلاً أمام المؤسسة القضائية.
فإعادة تأهيل البنية التحتية، واستكمال التشريعات، وبناء القدرات البشرية، وتطوير الخدمات الإلكترونية، وتوسيع انتشار المحاكم، كلها ملفات تحتاج إلى جهد متواصل وإرادة ثابتة.
غير أن المؤشرات الحالية توحي بأن السلطة القضائية وضعت قدميها على الطريق الصحيح، وأنها تمتلك رؤية واضحة وإرادة حقيقية لتحقيق أهدافها.
خاتمة
ما تشهده نيالا اليوم ليس مجرد نشاط إداري عابر داخل مؤسسة حكومية، بل هو مشروع متكامل لإعادة الاعتبار لفكرة الدولة نفسها عبر بوابة العدالة وسيادة القانون.
ومن أداء القسم إلى الجولات الميدانية، ومن استرداد الأصول إلى إصلاح التشريعات، ومن دعم استقلال القضاء إلى تعزيز الشراكات المهنية، تتشكل ملامح مرحلة جديدة يمكن أن تمثل نقطة تحول مهمة في تاريخ المؤسسة القضائية السودانية.
وإذا ما استمرت هذه الجهود بالزخم نفسه، فإن السودان الجديد سيكون أمام فرصة حقيقية لبناء سلطة قضائية قوية ومستقلة، قادرة على حماية الحقوق وترسيخ الاستقرار وصناعة المستقبل الذي يتطلع إليه المواطنون.




