رأي

استقلال من داخل البرلمان: نبض البدايات وخذلان النخب

نصر الدين أحمد إدريس الدومة

 

د.نصر الدين احمد إدريس الدومة 

في مثل هذا اليوم، التاسع عشر من ديسمبر، تقف الذاكرة السودانية بين جلال اللحظة التاريخية في عام 1955، حين أُعلن الاستقلال من داخل البرلمان، وبين واقع راهن تنفجر فيه أشجان الوطن جراحاً ودماً. إنها مفارقة قاسية أن يحل ذكرى إعلان “الحرية” في وقت يرزح فيه الشعب تحت وطأة أبشع الحروب في تاريخه الحديث.

عندما رفع “إسماعيل الأزهري” و”محمد أحمد المحجوب” ورفاقهما إعلان الاستقلال من تحت قبة البرلمان، كانت الأحلام تعانق السماء بسودان ديمقراطي يسع الجميع. لكن، ومع خروج المستعمر الأجنبي، بدأت تتشكل ملامح “استعمار داخلي” تمثلت في سيطرة نخب مركزية محددة على مفاصل الدولة، وتحويل الاستقلال من مشروع وطني شامل إلى عملية إحلال وتجديد في هرم السلطة والثروة.

لقد فشلت الدولة السودانية منذ فجرها في الإجابة على الأسئلة الجوهرية: كيف نُحكم؟ وليس من يحكمنا؟. هذا الفشل البنيوي للنخب السياسية والعسكرية المتعاقبة أدى إلى تحويل الدولة إلى “جهاز غنيمة” يُستخدم لاحتكار الموارد وتكريس الامتيازات لمجتمعات وجماعات معينة، مع تهميش متعمد للأطراف والمكونات الأخرى التي تمثل جوهر التنوع السوداني.

دورة العنف: من غياب العدالة إلى حرب 15 أبريل

إن الحروب التي اشتعلت في جنوب السودان سابقاً، وفي دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، لم تكن مجرد صراعات حدودية أو قبلية، بل كانت “صرخة احتجاج” ضد غياب العدالة التوزيعية والاجتماعية. احتكار الموارد في “المركز” وتغييب التنمية عن “الهامش” ولد شعوراً بالدونية الوطنية، مما جعل السلاح هو اللغة الوحيدة للمطالبة بالحقوق في ظل انغلاق القنوات السياسية.

وجاءت حرب الخامس عشر من أبريل 2023 لتكون الانفجار الكبير لهذا الفشل المتراكم. هي ليست مجرد صراع بين جنرالين، بل هي النتيجة الحتمية لدولة بُنيت على أسس هشة، واعتمدت في بقائها على توازنات القوة العسكرية بدلاً من توازنات الحقوق والقانون. هذه الحرب هي “المرآة القبيحة” التي تعكس لنا حقيقة أن استقلالنا كان منقوصاً ما لم يتبعه تحرر من عقلية الإقصاء والسيطرة.

إن الاحتفاء الحقيقي بذكرى 19 ديسمبر اليوم لا يكون بالخطابات الإنشائية، بل بالاعتراف الشجاع بانهيار “السودان القديم” وضرورة التأسيس لـ سودان بأسس جديدة. إن الطريق نحو المستقبل يتطلب:

* عقد اجتماعي جديد: يؤسس لمواطنة متساوية بلا تمييز، حيث يكون الانتماء للوطن فوق أي انتماء قبلي أو جهوي.

* العدالة والمحاسبة: لا يمكن بناء دولة مستقرة على ركام من الإفلات من العقاب؛ فالعدالة الانتقالية ومحاسبة مرتكبي الجرائم هي حجر الزاوية لأي استقرار قادم.

* تفكيك احتكار الموارد: تبني نظام فيدرالي حقيقي يضمن للأقاليم إدارة مواردها وتنميتها بعيداً عن تغول المركز.

* تأسيس جيش وطني واحد: احترافى بعيد عن السياسة والاقتصاد، مهمته حماية الحدود لا الدستوروالحكم، الدستور تحميه الشعوب السودانية.

إن 19 ديسمبر ليس مجرد تاريخ، بل هو “نداء مستمر”. وإذا كانت النخب السابقة قد أضاعت بوصلة الاستقلال في دهاليز السلطة، فإن الأجيال الحالية، التي تدفع ثمن هذه الحرب، هي المطالبة اليوم بإعادة تعريف الاستقلال: ليس كخروج للمستعمر فحسب، بل كدخول للعدالة، والحرية، والكرامة في كل بيت سوداني

د. نصرالدين احمد إدريس الدومة

أمين أمانة التنظيم والإدارة

القوى المدنية المتحدة(قمم)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: Content is protected !!